الإسراء · الآية 84
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«كُلٌّ»: عُمومٌ تُرِكَ بِلا مُضافٍ إليه
«كُلٌّ» بِتَنوينٍ ولا مُضافَ إلَيه بَعدَها. لم يُقَلْ «كُلُّ النّاسِ» ولا «كُلُّكُم» ولا «كُلُّ فَريقٍ». حُذِفَ ما تُضافُ إلَيه ونُوِّنَتْ عِوَضاً عنه.
والأثَرُ أنَّ الجُملةَ لا تُسَمّي جَماعةً ولا تَحُدُّ عَدَداً. فلا صِنفَ يُستَثنى، ولا صِنفَ يُشارُ إلَيه. وأوَّلُ ما تَصنَعُه الآيةُ هو أن تَمنَعَك من فَرزِ النّاسِ قَبلَ أن تَبدَأ.
«يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ»: عَمَلٌ يَقومُ على أرض
«عَلَى» لا الباءُ ولا الكاف. لم يُقَلْ «يَعمَلُ بِشاكِلَتِه» فتَكونَ آلةً في يَدِه، ولا «كَشاكِلَتِه» فيَكونَ تَشبيهاً. قيلَ «عَلَى»، وهو حَرفُ الاستِعلاء: العَمَلُ يَقومُ فَوقَها كَما يَقومُ البِناءُ فَوقَ قاعِدَتِه.
و«شَاكِلَتِهِ» من ش-ك-ل: حَصرٌ يُمسَكُ ويُكتَمُ ثُمَّ تَحوزُه اللّامُ فيَلزَمُ صاحِبَه. ومنه «الشِّكال» ما يُشَدُّ بِه قَوائِمُ الدّابّةِ فيَلزَمُها فلا تُجاوِزُ خَطوَه، و«الشَّكل» الهَيئةُ التي يُعرَفُ بِها الشَّيء، و«شاكَلَه» وافَقَ هَيئَتَه، و«أشكَلَ الأمرُ» التَبَسَت هَيئَتُه بِغَيرِها فلم تَتَمَيَّز.
فالشّاكِلةُ هَيئةٌ مُمسَكةٌ لازِمة، لا رَأيٌ يُختار. ومنه في البَدَنِ الخاصِرةُ، وهي من المَرءِ جانِبُه الذي لا يُفارِقُه. وقد خُتِمَتِ الآيةُ قَبلَ هذه بِرَجُلٍ حَمَلَ جانِبَه ومَضى، وتُفتَتَحُ هذه بِأنَّ كُلَّ عامِلٍ إنَّما يَعمَلُ فَوقَ ما يَلزَمُه منه.
«فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ»: الجَوابُ عِلمٌ لا قَضاء
الفاءُ جَوابٌ لِما قَبلَها. قيلَ إنَّ كُلَّ واحِدٍ يَعمَلُ على هَيئَتِه، ثُمَّ قيلَ ماذا؟ لم يُقَلْ «فرَبُّكُم يَقضي بَينَكُم»، ولا «فرَبُّكُم يُجازيكُم»، ولا «فسَتَعلَمون». قيلَ «أَعْلَمُ».
والفَرقُ لَيسَ لَطيفاً. الجَوابُ عن اختِلافِ الهَيئاتِ هو أنَّ العِلمَ بِها عِندَ غَيرِكُم، لا أنَّ الحُكمَ سَيَقَعُ. وما دامَ المَوقِفُ مَوقِفَ عِلم، فالذي يَنقُصُكَ عِلمٌ لا سُلطان.
و«أَعْلَمُ» أفعَلُ تَفضيل: أعلَمُ مِمَّن؟ الصّيغةُ نَفسُها تَقولُ إنَّ هُناكَ عِلماً عِندَ غَيرِه وإنَّه فَوقَه. لَيسَ نَفياً لِعِلمِكُم بَل تَرتيبٌ لَه. وقد جاءَت هذه الكَلِمةُ في السّورةِ مِراراً ويَتَغَيَّرُ ما بَعدَ الباءِ في كُلِّ مَرّة: رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ ورَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ ووَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. وهذا المَوضِعُ هو الوَحيدُ الذي يَقَعُ فيه المَعلومُ على تَفاضُلٍ بَينَ أشخاص.
«بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلًا»: مَوصولٌ وضَميرٌ وتَفضيلٌ بِلا مَوصوف
ثانِيةُ أفعَلَ في السَّطرِ الواحِد. «أَعْلَمُ» ثُمَّ «أَهْدَىٰ»: عِلمٌ فَوقَ عِلمٍ يَنظُرُ في هُدىً فَوقَ هُدىً. والصّيغةُ لا تَعرِفُ الاثنَينِ فقَط؛ التَّفضيلُ يَقتَضي مُتَفاضِلينَ في دَرَجات.
واقرَأِ التَّركيبَ نَفسَه: مَوصولٌ («مَنْ»)، ثُمَّ ضَميرُ فَصلٍ («هُوَ»)، ثُمَّ أفعَلُ تَفضيلٍ («أَهْدَىٰ»). وهو التَّركيبُ الذي جَرى في هذه السّورةِ ثَلاثاً بِالتَّأنيث: يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ وبِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ويَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. هُناكَ حُذِفَ المَوصوفُ فبَقِيَ الوَصفُ، وهُنا يُحذَفُ الشَّخصُ فيَبقى وَصفُه. الصّيغةُ واحِدةٌ والمَتروكُ واحِد.
فالجُملةُ تُثبِتُ عالِماً وتَحجُبُ المَعلوم. تَقولُ إنَّ بَينَ النّاسِ من هو أهدى، ولا تَقولُ مَن هو. ومَن أكمَلَ الجُملةَ بِاسمٍ فقد أجابَ عن سُؤالٍ أحالَه السَّطرُ إلى غَيرِه.
و«سَبِيلًا» تَمييزٌ يَرفَعُ الإبهامَ عن جِهةِ التَّفضيل: أهدى في ماذا؟ في السَّبيل. والجَذرُ س-ب-ل مَجرىً مُتَّصِلٌ يَمتَدُّ فيُسلَك، ومنه المَطَرُ إذا جَرى والثَّوبُ إذا أُرسِلَ مُمتَدّاً. وبِهذه الكَلِمةِ تُختَمُ آياتٌ من هذه السّورةِ في أبوابٍ شَتّى: فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ ووَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ ووَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا﴾. لَفظٌ واحِدٌ يُغلِقُ السُّطورَ ويَبقى المَسلوكُ فيه غَيرَ مَوصوف.
حَصيلة
«كُلٌّ» بِلا مُضافٍ إلَيه، فلا جَماعةَ تُسَمّى ولا صِنفَ يُستَثنى، والسَّطرُ يَمنَعُكَ الفَرزَ قَبلَ أن يَبدَأ. ثُمَّ «عَلَى» لا الباءُ ولا الكاف: العَمَلُ قائِمٌ فَوقَ الشّاكِلةِ قِيامَ البِناءِ فَوقَ قاعِدَتِه، والشّاكِلةُ هَيئةٌ مُمسَكةٌ تَلزَمُ صاحِبَها كَما يَلزَمُ الشِّكالُ قَوائِمَ الدّابّة، لا رَأياً يُختارُ في مَجلِس. ثُمَّ تَأتي الفاءُ فتُعطي الجَوابَ، والجَوابُ عِلمٌ لا قَضاء: لم يُقَلْ «يَقضي» ولا «يُجازي» بَل «أَعْلَمُ»، فالنّاقِصُ عِندَكَ عِلمٌ لا سُلطان. وفي السَّطرِ الواحِدِ أفعَلانِ، «أَعْلَمُ» و«أَهْدَىٰ»، فالنَّظَرُ في دَرَجاتٍ لا في طَرَفَين. والتَّركيبُ «مَنْ هُوَ أَهْدَىٰ» هو التَّركيبُ الذي جَرى في هذه السّورةِ ثَلاثاً بِالتَّأنيثِ فحُذِفَ فيه المَوصوفُ وبَقِيَ الوَصف، وهُنا يُحذَفُ الشَّخصُ ويَبقى وَصفُه. فالسَّطرُ يُثبِتُ عالِماً ويَحجُبُ المَعلوم، ويَختِمُ بِـ«سَبِيلًا» تَمييزاً، وهي الكَلِمةُ التي تُغلِقُ سُطوراً من هذه السّورةِ في أبوابٍ لا تَجمَعُها إلّا هي. أن تَعرِفَ أنَّ ثَمَّ من هو أهدى، وألّا تُعطى اسمَه: هذا هو الجَوابُ كُلُّه.