الإسراء · الآية 85

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا

«وَيَسْأَلُونَكَ»: سُؤالٌ يُروى ولا يُجابُ على شَرطِه

الفِعلُ مُضارِعٌ لا ماضٍ. لم يُقَلْ «وسَألوكَ» فيَكونَ خَبَراً عن مَرّة، قيلَ «يَسْأَلُونَكَ» فيَكونَ سُؤالاً يُعادُ ويَتَجَدَّد.

والسّائِلونَ ضَميرُ جَماعةٍ لا مَرجِعَ لَه في السَّطر. لا يُسَمَّونَ ولا يُوصَفونَ ولا يُقالُ مِمَّن هُم. الآيةُ تَنقُلُ السُّؤالَ وتَترُكُ صاحِبَه غُفلاً.

و«عَنِ» حَرفُ مُجاوَزة. يُسألُ عن الشَّيءِ ولا يُسألُ الشَّيء، فالسُّؤالُ يَدورُ حَولَه ولا يُماسُّه. والسَّطرُ يَحفَظُ لِلسُّؤالِ صيغَتَه ولا يُبَدِّلُها، ثُمَّ يُجيبُ من داخِلِ هذه الصّيغةِ نَفسِها.

«قُلِ الرُّوحُ»: الجَوابُ يُعيدُ لَفظَ السّائِلِ ولا يُبَدِّلُه

هذه رابِعةُ «قُل» في سِتِّ آياتٍ مُتَتالِية. وقد أُمِرَ قَبلَها بِقَولٍ يَرفَعُ طَلَباً، وبِقَولٍ يُخبِرُ عن أمرٍ وَقَع، وبِقَولٍ يُعَمِّمُ حالَ النّاسِ ويُحيلُ العِلمَ إلى غَيرِهِم. وهذا رابِعُها، وأشَدُّها إمساكاً.

واقرَأْ أوَّلَ ما في الجَواب: أُعيدَتِ الكَلِمةُ كَما قيلَت. «الرُّوحِ» في السُّؤالِ و«الرُّوحُ» في الجَواب، مُعَرَّفةً هُناكَ ومُعَرَّفةً هُنا. لم يُوضَعْ مَكانَها اسمٌ آخَر، ولم يُقَلْ «هيَ كَذا».

وهذا وَحدَه حُكمٌ يَحكُمُ كُلَّ شَرحٍ يَأتي بَعدَه. مَن أبدَلَ الكَلِمةَ بِكَلِمةٍ فقد أعطى ما مَنَعَ السَّطرُ إعطاءَه. والجَوابُ الذي يُفَسِّرُه رَدَّ التَّبديلَ من أوَّلِ حَرفٍ فيه.

وحَتّى الحُروفُ لا تُعطي جِرماً يُقبَض. الجَذرُ ر-و-ح جَرَيانٌ مَوصولٌ يَنفُذُ فيَخلُص، ومنه الرّيحُ لِلهَواءِ الجاري، والرَّواحُ لِلمُضِيِّ في طَرَفِ النَّهار، والرّاحةُ لِانفِساحِ النَّفَسِ بَعدَ ضيق. هَيئةُ جَرَيانٍ لا شَيءٌ يُوضَعُ في يَد.

«مِنْ أَمْرِ رَبِّي»: إحالةٌ إلى نِسبةٍ لا إلى جِنس

«مِنْ» تَحتَمِلُ وَجهَين: تَبعيضاً، فيَكونُ المَسؤولُ عنه بَعضاً من أمرِه؛ وابتِداءَ غايةٍ، فيَكونُ صادِراً عن أمرِه. والوَجهانِ يُوزَنانِ ولا يُقطَعُ بِأحَدِهِما.

ولا يُقطَعُ لِسَبَبَين. الأوَّلُ أنَّ السَّطرَ لم يَقطَعْ، والثّاني أنَّ القَطعَ نَفسَه تَعيينٌ، وهذا السَّطرُ إنَّما بُنِيَ على مَنعِ التَّعيين. ولِلسّورةِ في «مِن» سابِقةٌ في أوَّلِ آيةٍ منها: لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾، حَيثُ الغايةُ بَعضٌ لا كُلّ.

و«أَمْرِ» مُضافٌ إلى «رَبِّي»، ولا يَرِدُ هذا الاسمُ في السّورةِ كُلِّها إلّا في هذا المَوضِع. الجَذرُ أ-م-ر مُجتَمِعٌ يَتَهَيَّأُ ثُمَّ يَجري مُستَرسِلاً إلى غايَتِه، أي كَلِمةٌ جامِعةٌ تَخرُجُ فتَمضي في غَيرِ قائِلِها.

فانظُرْ أينَ وَقَعَ الجَوابُ ولم يَقَع. لم يَقَعْ في جِنسٍ يُصَنَّفُ فيه، ولا في مادّةٍ يُقالُ إنَّه منها، ولا في وَظيفةٍ يُقالُ إنَّه يَعمَلُها. وَقَعَ في إضافةٍ إلى مالِك. أُجيبَ بِنِسبةٍ، والنِّسبةُ تَقولُ لِمَن هو ولا تَقولُ ما هو.

«رَبِّي»: مُفرَدٌ مُتَكَلِّمٌ بَينَ جَمعَين

عُدَّ الضَّمائِرَ في السَّطر. السّائِلونَ جَماعةٌ: «يَسْأَلُونَكَ». والمُخاطَبونَ في آخِرِه جَماعةٌ: «أُوتِيتُم». وبَينَهُما مُفرَدٌ مُتَكَلِّمٌ واحِد: «رَبِّي».

لم يُقَلْ «رَبِّنا» فتَشمَلَهُم، ولا «رَبِّكُم» فتُوَجَّهَ إلَيهِم. النِّسبةُ التي أُحيلَ إلَيها الجَوابُ مَذكورةٌ في السَّطرِ غَيرَ مُشتَرَكةٍ فيه. والمَأمورُ بِالقَولِ يُخبِرُ عن نِسبَتِه هو، ثُمَّ يُخبِرُ عن مِقدارِهِم هُم.

«وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا»: قَدرٌ يُقالُ لا عَتبٌ يُوَجَّه

الفِعلُ مَبنِيٌّ لِلمَجهول: «أُوتِيتُم». والإيتاءُ إعطاء. فالقَليلُ في السَّطرِ مَوهوبٌ لا مَحجوب، ولَو أُريدَ المَنعُ لَقيلَ «وما عَلِمتُم إلّا قَليلاً».

ولَيسَ في السَّطرِ حَرفُ تَوبيخٍ ولا أداةُ عَتب. لا «لِمَ» ولا «أفَلا» ولا نِداءَ إنكار. جُملةُ خَبَرٍ تَذكُرُ مِقداراً، وقارِئُها يَقِفُ عِندَ كَونِها مِقداراً.

و«مِّنَ» هذه ثانِيةُ «مِن» في السَّطر. مِن أمرِ رَبّي، ومِنَ العِلم. مَرَّتانِ يُنسَبُ فيهِما شَيءٌ إلى كُلٍّ أوسَعَ منه. سُئِلَ عن شَيءٍ فأُجيبَ بِنِسبةِ جُزءٍ إلى كُلّ، ثُمَّ قيلَ لِلسّائِلينَ إنَّ ما عِندَهُم جُزءٌ من كُلّ. الصّيغةُ واحِدةٌ في الطَّرَفَين.

والسّورةُ تَقولُ هذا الفِعلَ نَفسَه مُثبَتاً في مَوضِعٍ آخَرَ منها: إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾. إيتاءٌ يُثبَتُ هُناكَ ويُقَدَّرُ هُنا. الفِعلُ واحِدٌ، والمُختَلِفُ مِقدارُ ما وَقَعَ بِه.

ما لَيسَ في السَّطر

لَيسَ في السَّطرِ نَفسٌ، ولا عَقلٌ، ولا جَوهَرٌ يُسَمّى، ولا قُوّةُ حَياةٍ، ولا طاقةٌ، ولا وَعيٌ، ولا مَلَكٌ يُسَمّى بِاسمِه. ولا واحِدةٌ من هذه في الحُروفِ ولا في التَّركيب.

ومَن أعطى واحِدةً منها فقد أعطى ما لم يُعطَ. والسُّؤالُ الذي حُفِظَت صيغَتُه، والجَوابُ الذي أعادَ اللَّفظَ ولم يُبَدِّلْه، والخِتامُ الذي قَدَّرَ العِلمَ بِالقَليل: ثَلاثةٌ في سَطرٍ واحِدٍ تَمنَعُ الشَّرحَ الذي يُمسَكُ بِه.

وهذه السّورةُ سَبَقَ فيها نَهيٌ صَريحٌ: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾. فالنَّهيُ مَذكورٌ هُناكَ والمِقدارُ مَذكورٌ هُنا، ومَن جَمَعَ بَينَهُما عَرَفَ أنَّ التَّعيينَ في هذا المَوضِعِ اقتِفاءُ ما لا عِلمَ بِه.

ولَها في السّورةِ أُختٌ تَصنَعُ صَنيعَها: وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾. آيةٌ تُخبِرُ بِأمرٍ ثُمَّ تُثبِتُ في نَصِّها حَدَّ إدراكِ السّامِعِ لَه. وهُنا مِثلُ ذلك: خَبَرٌ ثُمَّ تَقديرٌ لِما أُوتِيَه المُخاطَبُ من العِلم. الآيةُ التي تَقولُ حَدَّها لا تُشرَحُ بِما يَتَجاوَزُه.


حَصيلة

مُضارِعٌ يَقولُ سُؤالاً يُعادُ لا حادِثةً تُؤَرَّخ، وسائِلونَ ضَميرٌ بِلا اسم، و«عَنِ» تَدورُ حَولَ المَسؤولِ عنه ولا تُماسُّه. ثُمَّ يُؤمَرُ بِقَولٍ رابِعٍ في سِتِّ آيات، وهو أضيَقُها عمّا يُعطي. وأوَّلُ ما يَصنَعُه الجَوابُ أنَّه يُعيدُ لَفظَ السّائِلِ كَما قيلَ ولا يَضَعُ مَكانَه اسماً آخَر، وهذا وَحدَه يَرُدُّ كُلَّ إبدالٍ يَأتي بَعدَه. ثُمَّ «مِنْ أَمْرِ رَبِّي»: حَرفٌ بَينَ التَّبعيضِ وابتِداءِ الغاية، لا يُقطَعُ بِوَجهٍ منه لِأنَّ السَّطرَ لم يَقطَعْ ولِأنَّ القَطعَ تَعيين. والإجابةُ وَقَعَت في إضافةٍ إلى مالِك، فقيلَ لِمَن هو ولم يُقَلْ ما هو. ثُمَّ «رَبِّي» مُفرَدٌ مُتَكَلِّمٌ بَينَ جَمعَين، فالنِّسبةُ مَذكورةٌ في السَّطرِ غَيرَ مُشتَرَكةٍ فيه. ثُمَّ خِتامٌ مَبنِيٌّ لِلمَجهول: العِلمُ مَوهوبٌ لا مَحجوب، وقَليلُه مِقدارٌ يُقالُ لا لَومٌ يُوَجَّه، و«مِن» تَعودُ ثانِيةً فيَنسِبُ السَّطرُ جُزءاً إلى كُلٍّ مَرَّتَين. ولَيسَ فيه نَفسٌ ولا عَقلٌ ولا جَوهَرٌ يُسَمّى ولا قُوّةُ حَياةٍ ولا طاقةٌ ولا وَعيٌ ولا مَلَكٌ يُسَمّى بِاسمِه. سُئِلَ عن شَيءٍ فرُدَّ السّائِلُ إلى نِسبَتِه وإلى قَدرِ نَفسِه، والشّارِحُ الذي يُعَيِّنُ ما لم يُعَيَّنْ يَنقُضُ السَّطرَ الذي يَشرَحُه.