طه · الآية 121

﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۚ وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۚ وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ

«فَأَكَلَا مِنْهَا»: التَّثنِيةُ تَعودُ بَعدَ أربَعةِ أسطُرٍ من الإفراد

الفاءُ لِلتَّعقيب، ثُمَّ فِعلٌ ماضٍ مُسنَدٌ إلى ألِفِ الاثنَين، وقد كانَ الخِطابُ قَبلَه مُفرَداً في أربَعةِ مَواضِعَ مُتَتابِعة.

فالوَسوَسةُ كانَت إلى واحِد، والأكلُ من اثنَين، وهذا العَدَدُ يَتَبَدَّلُ في هذا المَقطَعِ على تَرتيبٍ يُقرَأ: نَهيٌ عن إخراجِ اثنَينِ ثُمَّ شَقاءُ واحِد، ثُمَّ كِفايةٌ لِواحِد، ثُمَّ وَسوَسةٌ إلى واحِد، ثُمَّ أكلُ اثنَين.

و«مِنْهَا» ضَميرٌ يَعودُ إلى المَذكورِ في الآيةِ قَبلَها ولا يُعيدُ اسمَه، فما سُمِّيَ في فَمِ القائِلِ لا يُسَمّى في خَبَرِ الآية.

و«مِنْ» لِلتَّبعيض، فالذي أكَلاه بَعضٌ غَيرُ الكُلّ.

«فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا»: ظُهورٌ مُقَيَّدٌ بِمَن ظَهَرَ لَه

والفاءُ لِلتَّعقيبِ ثانِيَةً، فلا فاصِلَ بَينَ الأكلِ وما تَلاه.

والبُدُوُّ من ب-د-و، وهو خُروجُ المُستَتِرِ إلى العَيان، والفِعلُ لازِمٌ لا فاعِلَ لَه غَيرُ ما بَدا.

وعُدِّيَ بِاللّامِ إلى ضَميرِ المُثَنّى في «لَهُمَا»، فالظُّهورُ مُقَيَّدٌ بِهِما، ولم يُذكَرْ أنَّه ظَهَرَ لِأحَدٍ سِواهُما.

و«سَوْآتُهُمَا» من س-و-أ، ومَدارُها على أثَرٍ يَتَسَرَّبُ حتّى يَبلُغَ الشَّيءَ فيَنطَبِقُ عَلَيه، فالاسمُ نَفسُه يُعَرِّفُ المُسَمّى بِالإطباقِ عَلَيه، وظُهورُه انفِكاكُ ذلك الإطباق.

ولَيسَ في الآيةِ وَصفٌ لِما بَدا ولا تَعيينٌ لَه، والاسمُ يَدُلُّ على أنَّه مِمّا يُستَرُ، ويَقِفُ عِندَ ذلك.

«وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ»: شُروعٌ يَتلوهُ فِعلٌ يَتَجَدَّد

و«طَفِقَا» فِعلُ شُروع، وخَبَرُه جُملةٌ فِعلِيّةٌ مُضارِعة، فالمَحكِيُّ بَدءُ الفِعلِ واستِمرارُه دونَ تَمامِه.

و«يَخْصِفَانِ» من خ-ص-ف، وأصلُه ضَمُّ طَبَقٍ إلى طَبَقٍ بِنُفوذٍ يَتَكَرَّرُ في شَقّ، ومِنه خَصفُ النَّعلِ بِإطباقِ رُقعةٍ على رُقعة.

فالمَحكِيُّ عَمَلٌ يُعاوَدُ، غَيرُ حَرَكةٍ واحِدة. ولا مَفعولَ لِلفِعلِ ظاهِرٌ في الآية، وإنَّما جِهةٌ يوضَعُ عَلَيها ومادّةٌ يوضَعُ مِنها.

فالجِهةُ «عَلَيْهِمَا» بِضَميرِ المُثَنّى مَرّةً ثالِثة، والمادّةُ «مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ» بِـ«مِنْ» التَّبعيضِيّة، فهي بَعضُ الوَرَقِ لا كُلُّه.

والوَرَقُ في و-ر-ق رَقيقٌ مُنبَسِطٌ مَوصولٌ بِأصلِه، فما سُتِرَ بِه أرَقُّ ما في المَوضِعِ وأقرَبُ ما يُتَناوَل.

«وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ»: تُقرَأُ كما هي

ثُمَّ واوٌ وفِعلٌ ماضٍ مُسنَدٌ إلى اسمٍ ظاهِرٍ صَريح، فعادَ الإفرادُ بَعدَ ثَلاثةِ ضَمائِرِ تَثنِيةٍ في الآيةِ نَفسِها.

وعُدِلَ عن «فعَصَيا» إلى إسنادِ الفِعلِ إلى واحِدٍ مُسَمّىً بِاسمِه، بَعدَ أن كانَ في الآيةِ ضَميراً مَعَ غَيرِه.

ومَفعولُه «رَبَّهُ» مُضافاً إلى ضَميرِه، فالمَعصِيُّ مُعَرَّفٌ بِنِسبَتِه إلى العاصي نَفسِه، لا بِاسمٍ آخَر.

والعِصيانُ من ع-ص-ي، ومَعناه خُروجٌ صُلبٌ ثابِتٌ عن الطّاعة، وأصلُه إمساكُ الوِجهةِ فلا يُثنى عنها.

ثُمَّ فاءُ تَعقيبٍ ثُمَّ «غَوَىٰ»، والغَيُّ في غ-و-ي انفِراجُ غَورٍ يُفضي بِصاحِبِه ويَمتَدُّ بِه، فالثّاني مُتَرَتِّبٌ على الأوَّلِ بِالفاءِ بِلا مُهلة.

وهذه الآيةُ تُقرَأُ كما هي. ففيها فِعلٌ صَريحٌ، وفاعِلٌ مُسَمّىً، ومَفعولٌ مُضاف، ونَتيجةٌ مَعطوفةٌ بِفاءٍ لا تُمهِل، ولا يُدخَلُ عَلَيها من خارِجِها ما يُخَفِّفُها، ولا يُصرَفُ لَفظٌ مِنها عن مَوضِعِه.

وجَوابُ السّورةِ عَلَيها في الآيةِ التي تَليها، لا في تَأويلِ هذه الآية، فمَن أرادَ أن يَعرِفَ ما تَقولُه السّورةُ في هذا فسَبيلُه أن يَقرَأَ ما بَعدَها، ولا يُبَدِّلَ ما فيها.


حَصيلة

«فَأَكَلَا» فاءُ تَعقيبٍ ثُمَّ فِعلٌ مُسنَدٌ إلى ألِفِ الاثنَينِ بَعدَ أربَعةِ مَواضِعَ مُتَتابِعةٍ من الإفراد، فالوَسوَسةُ إلى واحِدٍ والأكلُ من اثنَين. و«مِنْهَا» ضَميرٌ يَعودُ ولا يُعيدُ الاسمَ الذي قيلَ في فَمِ القائِل، و«مِنْ» تُبَعِّضُ فالمَأكولُ بَعضٌ لا كُلّ. ثُمَّ فاءٌ ثانِيةٌ بِلا فاصِل، والبُدُوُّ في ب-د-و خُروجُ المُستَتِرِ إلى العَيان، وعُدِّيَ بِاللّامِ إلى المُثَنّى فالظُّهورُ مُقَيَّدٌ بِهِما ولم يُذكَرْ ثالِث. و«سَوْآت» من س-و-أ أثَرٌ يَتَسَرَّبُ حتّى يَبلُغَ الشَّيءَ فيَنطَبِقُ عَلَيه، فالاسمُ يُعَرِّفُ المُسَمّى بِالإطباقِ عَلَيه، وظُهورُه انفِكاكُ ذلك الإطباق، ولَيسَ لَه في الآيةِ وَصفٌ ولا تَعيين. ثُمَّ فِعلُ شُروعٍ خَبَرُه مُضارِعٌ يَتَجَدَّد، و«يَخْصِفَانِ» من خ-ص-ف ضَمُّ طَبَقٍ إلى طَبَقٍ بِنُفوذٍ يَتَكَرَّرُ في شَقّ، فالمَحكِيُّ عَمَلٌ يُعاوَدُ لا حَرَكةٌ واحِدة، ولا مَفعولَ لَه ظاهِر، وله جِهةٌ يوضَعُ عَلَيها ومادّةٌ يوضَعُ مِنها. والجِهةُ ضَميرُ مُثَنّىً ثالِثةً، والمادّةُ مُبَعَّضةٌ بِـ«مِنْ»، والوَرَقُ في و-ر-ق رَقيقٌ مُنبَسِطٌ مَوصولٌ بِأصلِه، فما سُتِرَ بِه أرَقُّ ما في المَوضِع. ثُمَّ واوٌ وفِعلٌ ماضٍ مُسنَدٌ إلى اسمٍ ظاهِرٍ صَريح، فعادَ الإفرادُ بَعدَ ثَلاثةِ ضَمائِرِ تَثنِيةٍ في الآيةِ نَفسِها، ولم يَأتِ «فعَصَيا». والمَعصِيُّ مُعَرَّفٌ بِنِسبَتِه إلى العاصي، والعِصيانُ في ع-ص-ي خُروجٌ صُلبٌ ثابِتٌ عن الطّاعة، ثُمَّ فاءٌ لا تُمهِلُ ثُمَّ غَيٌّ من غ-و-ي هو انفِراجُ غَورٍ يُفضي بِصاحِبِه ويَمتَدُّ بِه. والآيةُ تُقرَأُ كما هي، ففيها فِعلٌ صَريحٌ وفاعِلٌ مُسَمّىً ومَفعولٌ مُضافٌ ونَتيجةٌ بِفاء، ولا يُدخَلُ عَلَيها من خارِجِها ما يُخَفِّفُها ولا يُصرَفُ لَفظٌ مِنها عن مَوضِعِه. وجَوابُ السّورةِ في الآيةِ التي تَليها، لا في تَأويلِ هذه.