طه · الآية 76

﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ مَن تَزَكَّىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ مَن تَزَكَّىٰ

«جَنَّاتُ عَدْنٍ»: اسمٌ يَنزِلُ بَعدَ وَصفٍ سَبَقَه

والكَلِمةُ مَرفوعةٌ تُبَدَّلُ من «الدَّرَجَاتُ الْعُلَىٰ»، فقد وُصِفَتِ المَراتِبُ أوَّلاً بِعُلُوِّها، ثُمَّ سُمِّيَت.

وهذا عَكسُ ما جَرى في الكِفّةِ الأُخرى: نَزَلَ الاسمُ هُناكَ عارِياً ولَم يوصَف، ونَزَلَ الوَصفُ هُنا أوَّلاً ثُمَّ لَحِقَه الاسم.

و«جَنَّاتُ» من ج-ن-ن، وأصلُه احتِباسٌ في جَوفٍ يَستُر، فهي كَثافةٌ تَحوطُ مَن دَخَلَها، وليسَت فَضاءً مَفتوحاً.

«عَدْنٍ»: نَكِرةٌ تُضافُ إلَيها المَعرِفة

وأُضيفَتِ الجَنّاتُ إلى اسمٍ نَكِرة، وأوثِرَ «جَنّاتُ عَدنٍ» بِلا تَعريفٍ على «جَنّاتِ الخُلد» و«الجَنّاتِ العالِيَة».

ومادّةُ ع-د-ن التِحامٌ يَثبُتُ بِضَغطٍ ثُمَّ يَحتَبِسُ في الجَوف، ومِنه «عَدَنَ بِالمَكانِ» إذا لَزِمَه فلَم يَبرَح، و«المَعدِنُ» لِما استَقَرَّ في العُمقِ حَتّى صارَ مِنه.

فالإضافةُ تُبَيِّنُ ما هي هذه الجَنّات، ولا تُبَيِّنُ أينَ هي، فهي جَنّاتُ لُزومٍ، غَيرُ جَنّاتِ نُزولٍ يُرحَلُ عَنه.

«تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ»: حَرفُ ابتِداءٍ لا حَرفُ ظَرف

وعُدِلَ عن «تَحتَها» وَحدَها وعن «فيها» إلى «مِن تَحْتِهَا»، و«مِن» لابتِداءِ الغاية، فالمَوضِعُ مَصدَرُ الجَريانِ لا وِعاؤُه.

و«الْأَنْهَارُ» من ن-ه-ر، ومَعناه انبِعاثٌ من باطِنٍ يُفرَغُ جارِياً ثُمَّ يَستَرسِل، فالنَّهرُ في جِذرِه ما خَرَجَ من داخِلٍ فامتَدّ.

والجَريانُ مُضارِعٌ لا ماضٍ، فالجُملةُ حالٌ تَتَجَدَّد، وليسَت خَبَراً وَقَعَ مَرَّةً وانقَضى.

«خَالِدِينَ فِيهَا»: الجَمعُ الذي بَدَأَ في الآيةِ قَبلَها لا يَنفَرِط

دَخَلَ الشَّرطُ مُفرَداً وخَرَجَ الجَوابُ جَمعاً، ثُمَّ بَقِيَ الجَمعُ هُنا حالاً مَنصوبة، فجاءَ «خَالِدِينَ» ولم يَجِئْ «خالِداً».

والخُلودُ من خ-ل-د، وهو نُفوذٌ يَتَعَلَّقُ ويُحازُ ثُمَّ يَثبُتُ بِضَغط، فمَعناه انعِقادُ الحال، ولا يَقِفُ عِندَ طولِ المُدّةِ وَحدَها.

و«فِيهَا» عائِدةٌ إلى الجَنّاتِ دونَ الأنهار، فالظَّرفُ لِلمَسكَنِ لا لِلجاري تَحتَه.

«جَزَاءُ مَن تَزَكَّىٰ»: كَلِمةٌ ثالِثةٌ لَم تُذكَر في الشَّرط

وكانَ الشَّرطُ حالاً وسِجِلّاً: «مُؤْمِنًا» و«قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ»، فلَمّا جاءَ التَّعقيبُ لَم يُعَدْ أحَدُهُما، وقيلَ «مَن تَزَكَّىٰ».

و«تَزَكَّىٰ» على وَزنِ تَفَعَّلَ، وهو وَزنٌ يَرُدُّ الفِعلَ على فاعِلِه، فقد فَعَلَ ذلك بِنَفسِه، ولا يُقالُ فيه زَكّاهُ غَيرُه.

ومَدارُ ز-ك-و على جَريانٍ نافِذٍ حادٍّ يَنقَطِعُ عن مَوضِعِه فيَخرُجُ ثُمَّ يُفضي إلى ما بَعدَه، فالتَّزَكّي إخراجٌ عِندَ حَدٍّ، والذي يَنمو هو ما بَقِيَ بَعدَ الإخراج.

و«ذَٰلِكَ» إشارةٌ إلى البَعيد، تَجمَعُ ما تَقَدَّمَ كُلَّه ثُمَّ تُسَمّيهِ جَزاءً، ولَم تَرِدْ كَلِمةُ الجَزاءِ أصلاً في الكِفّةِ الأُخرى: فهُناكَ اختِصاصٌ يَلزَمُ صاحِبَه، وهُنا مِقدارٌ يُقتَطَعُ ويَسري إلى مُستَحِقِّه.


حَصيلة

الكَلِمةُ مَرفوعةٌ تُبَدَّلُ من الدَّرَجاتِ العُلى، فالمَراتِبُ وُصِفَت أوَّلاً ثُمَّ سُمِّيَت، على عَكسِ الكِفّةِ الأُخرى التي نَزَلَ فيها الاسمُ عارِياً بِلا وَصف. و«جَنَّاتُ» من ج-ن-ن، وهو احتِباسٌ في جَوفٍ يَستُر، فهي كَثافةٌ تَحوطُ لا فَضاءٌ مَفتوح. وقد أُضيفَت إلى نَكِرة، و«عَدْنٍ» من ع-د-ن، وهو التِحامٌ يَثبُتُ ثُمَّ يَحتَبِسُ في الجَوف، فالإضافةُ تُبَيِّنُ ما هي ولا تُبَيِّنُ أينَ هي، وهي جَنّاتُ لُزومٍ غَيرُ جَنّاتِ نُزولٍ يُرحَلُ عَنه. و«مِن تَحْتِهَا» لابتِداءِ الغايةِ دونَ الظَّرف، والمَوضِعُ بِها مَصدَرُ الجَريانِ لا وِعاؤُه، و«الْأَنْهَارُ» من ن-ه-ر، وهو ما خَرَجَ من باطِنٍ فامتَدّ، والفِعلُ مُضارِعٌ يَتَجَدَّد. و«خَالِدِينَ» تُبقي الجَمعَ الذي خَرَجَ بِه الجَوابُ في الآيةِ قَبلَها، والخُلودُ من خ-ل-د انعِقادُ حالٍ، لا طولُ المُدّة. ثُمَّ يُعَقَّبُ بِكَلِمةٍ ثالِثةٍ لَم تَرِدْ في الشَّرط، وهي «مَن تَزَكَّىٰ»، على وَزنٍ يَرُدُّ الفِعلَ إلى فاعِلِه، وأصلُ ز-ك-و إخراجٌ يَنقَطِعُ عِندَ حَدٍّ فيُفضي إلى ما بَعدَه. و«ذَٰلِكَ» تَجمَعُ ما تَقَدَّمَ وتُسَمّيهِ جَزاءً، وهي كَلِمةٌ غائِبةٌ عن الكِفّةِ المُقابِلة.