التكوير · الآية 14

﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ

«عَلِمَتْ»: جَوابٌ واحِدٌ لِاثنَتَي عَشرةَ «إذا»

اثنَتا عَشرةَ «إذا» تَتَوالى قَبلَ هذه الآية، كُلُّ واحِدةٍ مِنها مُعَلَّقةٌ تَنتَظِرُ جَواباً. ثُمَّ يَجيءُ الجَوابُ ثَلاثَ كَلِماتٍ لا رابِعَ لَها.

ولَيسَ في الجَوابِ ما يُشبِهُ الشُّروط. الشُّروطُ شَمسٌ ونُجومٌ وجِبالٌ وبِحارٌ وسَماءٌ ونارٌ وحَديقة، والجَوابُ داخِلُ واحِدةٍ لا تُسَمّى. يُفعَلُ بِالمَنظورِ كُلِّه ما يُفعَل، ثُمَّ يَقَعُ في نَفسٍ واحِدةٍ عِلمٌ واحِد.

والجِذرُ ع-ل-م وَسمٌ يَطلُعُ من الباطِنِ فيَستَقِرُّ صورةً فارِقة. فالعِلمُ في هذا المَوضِعِ لَيسَ خَبَراً يُنقَلُ إلَيها من خارِج، بل عَلامةٌ ظَهَرَت في مَحَلِّها. ولِذلك لم يُقَلْ «أُخبِرَت نَفسٌ»، قيلَ «عَلِمَتْ».

«نَفْسٌ»: نَكِرةٌ مُفرَدةٌ حَيثُ يُنتَظَرُ العُموم

لم يُقَلْ «كُلُّ نَفس»، ولا «النُّفُوسُ». والجَمعُ حاضِرٌ في السّورةِ نَفسِها حينَ أُريد: وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾. فاللَّفظُ يَملِكُ الجَمعَ ويَختارُ الإفرادَ والتَّنكير.

والتَّنكيرُ يَقطَعُ الواحِدةَ من الجُملة. اثنَتا عَشرةَ حادِثةً عامّةً لا تَستَثني شَيئاً، ثُمَّ يَنتَهي الخِطابُ إلى واحِدةٍ لا تُعَيَّنُ ولا تُعَدّ. وهكذا يَصيرُ ما وَسِعَ الكَونَ خاصّاً بِمَن يَسمَع.

والجِذرُ ن-ف-س ما يَنبَعِثُ من الباطِنِ فيَخرُجُ ويَسري مُمتَدّاً. فالنَّفسُ هي الذّاتُ التي تَصدُرُ إلى خارِجِها. والذي عَلِمَته هو ما صَدَرَ عنها.

«مَّا أَحْضَرَتْ»: الفِعلُ الذي يَصدُرُ بَعدَ أفعالٍ كُلُّها تَقَع

قِفْ عِندَ بِناءِ الأفعالِ إلى هُنا. أحَدَ عَشَرَ فِعلاً في الشُّروطِ بُنِيَ لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه، وواحِدٌ جاءَ على وَزنِ انفَعَلَ يُطاوِعُ فاعِلاً لم يُذكَر، وفي جَوفِ الثّامِنةِ سُؤالٌ فِعلُه مَبنِيٌّ لِلمَفعولِ أيضاً. لا يَصدُرُ عن شَيءٍ مِنها فِعل.

ثُمَّ يَجيءُ الجَوابُ فإذا فيه فِعلانِ مَعلومانِ لِفاعِلٍ واحِد: «عَلِمَتْ» و«أَحْضَرَتْ». وكِلاهُما لِلنَّفس. في هذه الآياتِ كُلِّها لا يَفعَلُ أحَدٌ إلّا هي.

و«أَحْضَرَتْ» على وَزنِ أفعَل، والجِذرُ ح-ض-ر امتِلاءُ المَحَلِّ بِما يُشهَدُ فيه، فالإحضارُ جَعْلُ الشَّيءِ حاضِراً بَعدَ أن لم يَكُنْ في المَشهَد. فالمَعلومُ لَيسَ ما فُعِلَ بِها ولا ما قيلَ لَها، بل ما ساقَته هي إلى الحُضور.

ولِذلك لم يُقَلْ «ما عَمِلَت». العَمَلُ يَبقى حَيثُ وَقَع، والإحضارُ نَقلٌ إلى المَشهَد. ويُسمَعُ صَدرُ هذه الجُملةِ في مَوضِعٍ آخَرَ ثُمَّ يَفتَرِقُ عِندَ المَفعول: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾. هُناكَ ما قُدِّمَ وما أُخِّر، وهُنا ما أُحضِر. ذاكَ يَقرَأُ التَّرتيبَ في الزَّمَن، وهذا يَقرَأُ المَجيءَ إلى المَوقِف.


حَصيلة

اثنَتا عَشرةَ «إذا» مُعَلَّقةً تَنتَظِرُ جَواباً، فيَجيءُ الجَوابُ ثَلاثَ كَلِمات. «عَلِمَتْ» (ع-ل-م) وَسمٌ يَطلُعُ من الباطِنِ فيَستَقِرُّ صورةً فارِقة، لا خَبَراً يُنقَلُ من خارِج. و«نَفْسٌ» (ن-ف-س) ما يَنبَعِثُ من الباطِنِ فيَخرُجُ ويَسري، جاءَت مُفرَدةً مُنَكَّرةً حَيثُ كانَ الجَمعُ في مُتَناوَلِ اللَّفظِ ومَذكوراً في السّورةِ نَفسِها: وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾. و«أَحْضَرَتْ» (ح-ض-ر) على أفعَلَ: جَعلُ الشَّيءِ حاضِراً في المَوقِف، لا مُجَرَّدُ وُقوعِ العَمَلِ حَيثُ وَقَع. وأفعالُ الشُّروطِ كُلُّها واقِعةٌ بِأصحابِها، أحَدَ عَشَرَ مَبنِيّاً لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه وواحِدٌ على انفَعَل، ثُمَّ يَنفَرِدُ الجَوابُ بِفِعلَينِ مَعلومَينِ فاعِلُهُما النَّفس. ويُسمَعُ صَدرُ الجُملةِ في مَوضِعٍ آخَرَ فيَفتَرِقانِ عِندَ المَفعول: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾. يُفعَلُ بِالمَنظورِ كُلِّه ما يُفعَل، ولا يَفعَلُ في المَشهَدِ كُلِّه إلّا النَّفس.