التكوير · الآية 15

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ

«فَلَا أُقْسِمُ»: يَمينٌ تُشَدُّ بِفاءٍ إلى ما استَقَرَّ قَبلَها

والفاءُ في صَدرِ الآيةِ تَصِلُ ولا تَستَأنِف، وقَبلَها شُروطٌ تَتابَعَت حتّى انتَهَت إلى جُملةٍ واحِدة: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ﴾، فالقَسَمُ حينَ يَنزِلُ مَشدوداً بِفاءٍ يَستَنِدُ إلى ما ثَبَتَ لِتَوِّه، ولا يَفتَحُ بابَ كَلامٍ جَديد.

ثُمَّ تَتَقَدَّمُ «لا» على الفِعل، والنَّفيُ في صَدرِ اليَمينِ يَرفَعُ الحاجةَ إلَيها ولا يُبطِلُها، ومَعناه أنَّ الأمرَ أوضَحُ من أن يُحلَفَ عَلَيه، ويُحلَفُ عَلَيه مَعَ ذلك تَثبيتاً، فهي أداةُ نَفيٍ تُقَوّي القَسَمَ ولا تَنقُضُه.

«أُقْسِمُ»: حَدٌّ يَفصِلُ ثُمَّ يَربِط

ويَدورُ ق-س-م على قَطعٍ يُوَزِّع: فالقِسمةُ تَفريقُ الشَّيءِ بِحَدٍّ فاصِل، والقَسيمُ صاحِبُ شَطرٍ مَحدود، والمِقسَمُ مَوضِعُ الفَصلِ بَينَ القِسمَين. واليَمينُ من هذا الأصلِ نَفسِه، فهي حَدٌّ يوضَعُ بَينَ الصِّدقِ والرَّيب، ويُربَطُ الحالِفُ فيه بِالجانِبِ الذي يَقِفُ فيه.

ولا يُقسَمُ إلّا على ما يُرادُ إخراجُه من التَّرَدُّد، فيُقطَعُ أوَّلاً، ثُمَّ يُبنى على الأرضِ المَقطوعةِ ما بَعدَها، والقَطعُ في هذا المَوضِعِ واقِعٌ على شَيءٍ يُوصَفُ ولا يُسَمّى.

«بِالْخُنَّسِ»: مُقسَمٌ بِه يُعرَفُ بِانصِرافِه

وجاءَ المُقسَمُ بِه مُعَرَّفاً بِـ«ال»، جَمعاً على وَزنِ فُعَّل، ولم يُذكَرْ لَه اسم. والتَّعريفُ يُشيرُ إلى مَعهودٍ عِندَ السّامِع، والآيةُ تَقِفُ عِندَ الوَصفِ فتَبقى الإشارةُ على سَعَتِها، والمَذكورُ هُنا فِعلٌ لا ذات.

ومادّةُ خ-ن-س حَرَكةٌ تَتَقَدَّمُ ثُمَّ تَنكَمِشُ راجِعة، أي ظُهورٌ يُكتَمُ فيَنسَلّ، والخانِسُ مَن كانَ بارِزاً فانقَبَضَ عن مَوضِعِه فتَأخَّر. ووَزنُ فُعَّل يَجعَلُ هذا الانصِرافَ حالاً لازِمةً لا حادِثةً عارِضة، فالخُنوسُ فيها هو الوَصفُ الذي تُعرَفُ بِه كُلَّما تَقَدَّمَت، ولم يَكُنْ مَرّةً واحِدةً تَنقَضي.

فأوَّلُ ما يُقسَمُ بِه في هذا المَوضِعِ شَيءٌ عُرِّفَ بِرُجوعِه لا بِثُبوتِه، والقَسَمُ واقِعٌ على ما يَنصَرِف دونَ ما يُقيم.


حَصيلة

تَنعَقِدُ الآيةُ على فاءٍ تَصِلُ اليَمينَ بِما قَبلَها، فتَستَنِدُ إلى نَفسٍ عَلِمَت ما أحضَرَت ولا تَبتَدِئُ كَلاماً. ثُمَّ تَتَقَدَّمُ «لا» فتَرفَعُ الحاجةَ إلى اليَمينِ لا اليَمينَ نَفسَها. والجِذرُ ق-س-م حَدٌّ يَفصِلُ ثُمَّ يَربِط، فالقَسَمُ قَطعٌ يُخرِجُ الأمرَ من التَّرَدُّد. والمُقسَمُ بِه «الخُنَّس»، مُعَرَّفٌ بِـ«ال» مَسكوتٌ عن اسمِه، مَوصوفٌ بِخ-ن-س، وهو تَقَدُّمٌ يَنكَمِشُ راجِعاً، ووَزنُ فُعَّل يُثَبِّتُ الوَصفَ حالاً لازِمة. فالآيةُ تَضَعُ حَدّاً قاطِعاً على شَيءٍ لا يُعرَفُ إلّا بِأنَّه يَنصَرِف.