التين · الآية 8

﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ

«أَلَيس»: السؤالُ الذي يَطلُبُ الإثباتَ من المُخاطَب

الهَمزَةُ مع «لَيس» تَكوينٌ مُتَكَرِّرٌ في القرآن، وهو صيغَةُ سؤالٍ في صورَتِه، وصيغَةُ تَقريرٍ في وَظيفَتِه، يَفعَلُ ما يَفعَلُه السائلُ الذي يَعرِفُ الجَوابَ ويَنتَظِرُ من المَسؤولِ أن يَقولَه بنَفسِه. والقارئُ في هذا الإطارِ مُشارِكٌ يَنطِقُ بالنِّصفِ الثاني من الجُملَة، وليس مُتَلَقِّياً سَلبيّاً.

وفي القرآنِ يَعقُبُ مِثلَ هذه الصياغَةِ في كَثيرٍ من المَواضِعِ نُطقُ القارئ: بَلى، فالسورَةُ تَستَخرِجُ من القارئِ هذا الإثباتَ بمَجَرَّدِ الإصغاء. ومَن قالَ «بَلى» إثباتاً لـ«أحكَمَ الحاكِمين» فقد قَبِلَ ضِمناً قاعِدَةَ السورَةِ كلِّها، والحُكمُ الذي عُرِضَ عَلَيه في الآياتِ السابِقَةِ هو حُكمُ هذا الأَحكَم.

«أحكَمِ الحاكِمين»: الإحكامُ الذي يَفُرُّ منه الالتِواء

ومَدارُ ح-ك-م على الضَّبطِ المُحكَم، والحاكِمُ في العَرَبيَّةِ كلُّ مَن يَضَعُ شَيئاً في مَوضِعِه فلا يَنفَلِتُ مِنه، زيادةً على القاضي الذي يَفصِلُ بين خَصمَين. والحُكمُ في القرآنِ يَأتي على ثَلاثِ صُوَر: حُكمِ القَضاء، وحُكمِ القَدَر، وحُكمِ الحِكمَة، وكلُّها صادِرَةٌ عن «أَحكَمِ الحاكِمين»، أي أَدَقِّهِم وَضعاً، وأَمضاهُم نَفاذاً، وأَوسَعِهِم إحاطَة.

والوَزنُ «أَفعَل» في «أحكَم» اسمُ تَفضيلٍ يَفُرُّ منه التَّساوي، فالحاكِمونَ مَهما حَكَموا يَختَلِفون في الإحكام، هذا يَزِنُ ويَخطئ، وذاكَ يَنظُرُ ويَنسى، وأمّا «الأَحكَم» فمَن لا يَخطئُ في الوَزنِ ولا يَنسى ما رأى. وهو الذي حَكَمَ في السورَةِ بأنَّ الإنسانَ في أحسَنِ تَقويم، وأنَّه يُرَدُّ إلى أسفَلَ سافِلين، وأنَّ المُؤمِنينَ مُستَثنَون، والحُكمُ الصادِرُ من هذا المَوضِعِ لا يَستَأنِف.

إغلاقُ السورَة: من الشَّواهِدِ إلى الحاكِم

بَدَأَتِ السورَةُ بأربَعَةِ شُهود: التِّينِ والزَّيتونِ وطُورِ سِينينَ والبَلَدِ الأَمين، وانتَهَت بحاكِمٍ واحِد، فالشُّهودُ في البِدايَة، والحاكِمُ في النِّهايَة. وتِلكَ هَيئَةُ مَجلِسٍ كامِل، فيه شُهودٌ يُسأَلون، وحُكمٌ يُلقى، واستِفتاءٌ يُختَم، وفي ثَمانِ آياتٍ بَنَتِ السورَةُ هَذا المَشهَدَ بكامِلِه.

والاتِّساقُ بين البِدايَةِ والنِّهايَةِ مَلحوظ، فالقَسَمُ بأشياءَ مُحكَمَةٍ في طَبيعَتِها (شَجَرٌ مُعَمَّر، جَبَلٌ ثابِت، بَلَدٌ مَعقودٌ على الأمانَة)، والخاتِمَةُ باسمِ الذي أحكَمَ كلَّ شَيءٍ في طَبيعَتِه. وما شَهِدَ في البِدايَةِ إنَّما يَشهَدُ بحُكمِ الذي صَنَعَه على إحكام، والحَلقَةُ تَنغَلِق.

والبَقَرَةُ تَختِمُ مَشهَدَ المَلائكَةِ والأسماءِ بقَولٍ مُماثِل: إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾، والحَكيمُ من الجَذرِ نَفسِه، والمَوقِفُ شَبيه، فالمَلائكَةُ سَلَّموا أمامَ ما لم يُحيطوا بِه، فاستَقَرَّ القَولُ على «الحَكيم». والسورَةُ هنا تَترُكُ القارئَ في المَوقِفِ نَفسِه: شَواهِدُ ظَهَرَت، وحُكمٌ نَزَل، واستِسلامٌ مُتَوَقَّعٌ من الذي رأى. فالحَلقَةُ التي افتَتَحَتها البَقَرَةُ في خَلقِ الإنسانِ خَليفَةً تَختِمُها التِّينُ في إقرارِ أنَّ الذي خَلَقَه أَحكَمُ مَن حَكَم.


حَصيلة

تُختَمُ السورَةُ بسؤالٍ ثانٍ مُختَلِفٍ في طَبيعَتِه، فالسؤالُ السابِقُ في الآيَةِ السابعةِ كانَ مُوَجَّهاً إلى ضَميرِ المُخاطَبِ في تَكذيبِه، وهذا سؤالٌ تَقريريٌّ يَطلُبُ الإثبات، إذ «أَلَيس» هَمزَةُ تَقريرٍ مُغَلَّفَةٌ بصيغَةِ النَّفي، والمَطلوبُ من القارئِ أن يَنطِقَ بـ«بَلى» من نَفسِه. و«أحكَمِ الحاكِمين» (ح-ك-م) إضافَةُ تَفضيل، والجَذرُ يَجمَعُ ضَبطاً صارماً يَضَعُ الشَّيءَ في مَوضِعِه فلا يَنفَلِت، والحاكِمونَ مَهما حَكَموا يَختَلِفون في الإحكام، وأَحكَمُهُم مَن لا يَنفَلِتُ مِنه شَيء. وجاءَ الاسمُ «الله» مُجَرَّداً دونَ صِفَة، فهو اسمُ الذاتِ وَحدَه، دونَ «ربُّك» و«الذي خَلَقَك». والسورَةُ التي بَدَأَت بأربَعَةِ شُهودٍ تَنتَهي بحاكِمٍ واحِد، فالحَلقَةُ مُكتَمِلَة: شُهودٌ في البِدايَة، وحُكمٌ في الوَسَط، وحاكِمٌ في النِّهايَةِ يَنتَظِرُ من القارئِ أن يَنطِقَ باعتِرافِه.