البقرة · الآية 222

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ

«في المَحيض»: تَضييقُ الاعتِزالِ إلى مَوضِعٍ واحِد

نَبدَأُ مِن دِقّةِ صِياغةِ الحُكم، وقد عُدِلَ في الآيةِ عن «اعتَزِلوا النِّساءَ إذا حِضن» إلى «فاعتَزِلوا النِّساءَ في المَحيض»، وحَرفُ «في» يُضَيِّقُ الاعتِزالَ إلى مَوضِعٍ واحِد، هو مَوضِعُ التَّلاقي الزَّوجيِّ في حالِ الحَيض، وما عَدا ذلك مِن صِلةٍ بَيتيّةٍ ومُشارَكةٍ في الطَّعامِ والمَجلِسِ يَظَلُّ على بَرْئِه الأصليّ.

ويَتبَيَّنُ مِن هذا التَّضييقِ أنَّ الآيةَ تَنفي تَصَوُّرَ النَّفيِ الشَّامِلِ الَّذي يُخرِجُ المَرأةَ الحائِضَ مِن البَيتِ والمَجلِسِ والطَّعام، فالمَوضوعُ مَوضِعٌ واحِدٌ مَحدودٌ بِزَمانِه، لا حالةُ إقصاءٍ تَلحَقُ صاحِبَتَها.

(ح ي ض): الفَيضُ البَيولوجيُّ لا النَّجاسةُ الوُجوديّة

نَنتَقِلُ إلى الجِذرِ الأوّل، (ح ي ض)، ومَدارُه في دَلالَتِه على الفَيضِ والسَّيَلان، يُقالُ «حاضَ الوادي» إذا فاضَ ماؤُه. فالحَيضُ في أصلِه حَدَثٌ بَيولوجيٌّ يَصِفُ سَيَلانَ الدَّم، لا حُكمُ قِيمةٍ على صاحِبَتِه.

ويَتبَيَّنُ أنَّ هذا الجِذرَ اختيرَ على جِذرٍ آخَرَ كانَ يُمكِنُ أن يُحَمِّلَ الحَدَثَ قيمةً سَلبيّة، وقد أوثِرَ «المَحيض» على «النَّجاسة» و«الرِّجس»، وهو اسمُ مَكانٍ أو زَمانٍ مَبنيٌّ على جِذرِ السَّيَلانِ الطَّبيعيّ، وهذا اختيارٌ لُغَويٌّ يَحفَظُ المَرأةَ مِن أن تُلَطَّخَ بِصِفةِ حَدَثِها.

(أ ذ ي): مَشَقَّةٌ عَمَليّةٌ مَوقوتة

وقَدَّمَتِ الآيةُ تَشخيصَها الخاصّ: «قُل هُوَ أذىً». و(أ ذ ي) في أصلِها ما يُؤذي، أي ما يُلحِقُ مَشَقَّةً عَمَليّةً دونَ أن يَكونَ خَطَراً مُستَديماً، ومنه «أذى الطَّريق» لِلشَّيءِ الَّذي يَعيقُ المُرور، و«إذا آذاكَ دُخانُ النَّار» أي أزعَجَكَ دونَ أن يَحرِقَك.

والمؤكَّدُ أنَّ هذا التَّشخيصَ انقِلابٌ كَبيرٌ في الرُّؤيةِ القَديمة، والمَحيضُ صارَ به حالةَ «أذىً» تَستَدعي مُراعاةً عَمَليّةً مُؤَقَّتَة، ولم يَعُد حالةَ «نَجاسةٍ» تَنفي صاحِبَتَها. والفَرقُ بَينَ اللُّغَتَينِ فَرقٌ بُنيَويٌّ: الأولى تَبني نِظامَ فَصلٍ وإقصاء، والثَّانيةُ تَبني نِظامَ مُراعاةٍ مُؤَقَّتَة.

(ع ز ل) + (ق ر ب): فَصلٌ مَوضِعيٌّ لا قَطيعةٌ عامَّة

نَنتَقِلُ إلى فِعلِ الحُكم: «فاعتَزِلوا النِّساءَ في المَحيض». وأصلُ (ع ز ل) التَّنحيةُ الجانِبيّة، أي نَقلُ الشَّيءِ إلى مَوضِعٍ يَبقى مُرتَبِطاً بالأصلِ لا مَنفيّاً عَنه، ومنه «اعتَزَلَ القَومَ» إذا تَباعَدَ عَنهُم دونَ أن يَقطَعَ الصِّلَة.

والنَّهيُ «ولا تَقرَبوهُنَّ» مُفَسَّرٌ بالنَّصِّ نَفسِه: «حتَّى يَطهُرن»، فالقُربُ المَنهيُّ عَنه هو القُربُ الزَّوجيُّ في الحَيضِ فَقَط، وهو مُعَلَّقٌ على حَدٍّ زَمَنيٍّ واضِح، هو انقِطاعُ الدَّم. والقُربُ الأُسَريُّ والاجتِماعيُّ لا دَلالةَ لَه في الآيةِ أصلاً، لأنَّه لَم يَكُن داخِلاً في مَوضوعِ النَّهي.

(ط ه ر): العَودُ إلى الحالةِ المُمَكِّنَةِ لا المَحوُ مِن الدَّنَس

والمؤكَّدُ أنَّ أصلَ (ط ه ر) الخُلوصُ والنَّقاء، لا نَفيُ النَّجاسة، يُقالُ «ماءٌ طَهور» لِما خَلَصَ مِن الشَّوائِبِ ولَيسَ بالضَّرورةِ نَقيضاً لِنَجاسةٍ سابِقة، ومنه «قَلبٌ طاهِر»، أي خالِصٌ مِن الغِشّ، لا «نَظيفٌ مِن الدَّنَس».

وجاءَ النَّصُّ بِصيغَتَينِ مُتَقارِبَتَين: «حتّى يَطهُرن» (الفِعلُ الأوّل، أي انقِطاعُ الدَّم)، و«فإذا تَطَهَّرن» (الفِعلُ الثَّاني على وَزنِ تَفَعَّلَ، أي مُبادَرَتُهُنَّ إلى الاغتِسال)، فالآيةُ تُفَرِّقُ بَينَ زَوالِ الحَدَثِ الطَّبيعيِّ ومُبادَرَةِ المَرأةِ إلى التَّنظيف، وكِلاهُما في النَّصِّ مُسنَدٌ إلَيها، لا حُكمٌ فَوقيٌّ عَلَيها.

(أ ت ي): العَودُ بِفِعلٍ حَميميٍّ لا تَكَلُّفيّ

والآيةُ حينَ رَفَعَتِ الامتِناعَ اختارَت لَفظاً حَميميّاً: «فأتوهُنَّ مِن حَيثُ أمَرَكُمُ الله». و(أ ت ي) فِعلُ إقبالٍ يَحمِلُ مَعنى المَجيءِ بالقَصدِ والإرادة، لا بِالإلزامِ والتَّكليف، وقد أوثِرَ «فأتوهُنَّ» على «فَجامِعوهُنَّ» بِبُرودِ اللَّفظِ الفِقهيّ، وهو فِعلٌ يَحفَظُ لِلَّحظةِ بُعدَها الإنسانيّ.

والمؤكَّدُ أنَّ قَيدَ «مِن حَيثُ أمَرَكُمُ الله» يَضبِطُ الفِعلَ دونَ أن يُفَصِّلَه حَرفيّاً، والمَقصودُ ضَبطُ العَلاقةِ ضِمنَ ما هو مُتَّفَقٌ عَلَيه في البِنيَةِ الزَّوجيّةِ العامَّة، مِن غَيرِ خَوضٍ في تَفاصيلِ جَسَدٍ يَترُكُه النَّصُّ لِلذَّوقِ والحَياء.

(ح ب ب) + (ت و ب) + (ط ه ر): اسمانِ إلهيَّانِ يَسكُنانِ بَعضُهما بَعضاً

نَنتَقِلُ إلى خاتِمةِ الآية: «إنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرين». وأصلُ (ح ب ب) التَّعَلُّقُ بما يُقَرِّبُ مِن الطَّيِّب، والخاتِمةُ تَجعَلُ المَحَبَّةَ الإلهيّةَ ثَمَرةً مُتَناسِقَةً لِطَرَفَين: «التَّوَّابين» (صيغةُ مُبالَغةٍ في الرُّجوع) و«المُتَطَهِّرين» (على وَزنِ تَفَعَّل، المُبادَرةُ إلى النَّظافة).

والقِرانُ بَينَ الاسمَينِ غَيرُ اعتِباطيّ: التَّوبةُ رُجوعٌ أخلاقيٌّ داخليّ، والطَّهارةُ رُجوعٌ حِسِّيٌّ خارجيّ، واقتِرانُهُما في خاتِمةِ الآيةِ يُعَلِّمُ أنَّ العَلاقةَ الزَّوجيّةَ بابُ رُقِيٍّ مُزدَوَج: داخليٍّ (تَوبة) وخارجيٍّ (طَهارة)، ولا يَصِحُّ أن يُبتَرَ أحَدُهما دونَ الآخَر.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة. «المَحيضُ» اسمٌ لِحَدَثٍ فيزيولوجيٍّ لا لِنَجاسةٍ وُجوديّة، و«الأذى» اسمٌ لِمَشَقَّةٍ عَمَليّةٍ مَوقوتةٍ لا لِعَيبٍ مُلازِم، و«الاعتِزال» اسمٌ لِتَنحيةٍ مَوضِعيّةٍ لا لِنَفيٍ اجتِماعيّ، و«الطَّهارة» اسمٌ لِعَودةٍ إلى الحالةِ المُمَكِّنَةِ لا لِمَحوِ دَنَسٍ سابِق، و«المَحَبَّةُ الإلهيّةُ» اسمٌ لِلقَبولِ حينَ يَلتَقي الرُّجوعُ الدَّاخليُّ بالعِنايةِ الخارجيّة. فالآيةُ تُخَلِّصُ المرأةَ مِن عارٍ قَديمٍ أُلصِقَ بِها، وتُخَلِّصُ الزَّوجَ مِن تَصَوُّرِ جَسَدِها بِوَصفِه خَطَراً، وتُعيدُ العَلاقةَ إلى أُفقِ الحَياةِ المُشتَرَكة.


حَصيلة

تَنفي الآيةُ تَصَوُّرَ النَّفيِ الشّامِلِ لِلمَرأةِ الحائِضِ مِنَ البَيتِ أو المَجلِس، فتَرُدُّ الاعتِزالَ إلى مَوضِعِه الدَّقيقِ بِحَرفِ «في»: فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾، أي في مَوضِعِ التَّلاقي الزَّوجيِّ وَحدَه. وجِذرُ ح-ي-ض في «المَحيض» اسمُ زَمانٍ أو مَكانٍ مَبنِيٌّ على السَّيَلانِ الطَّبيعيّ، اختارَه النَّصُّ على «النَّجاسة» ليَحفَظَ المَرأةَ مِن أن تُلَطَّخَ بِصِفةِ حَدَثِها. والتَّشخيصُ دَقيق: «هُوَ أذىً»، وجِذرُ أ-ذ-ي يُسَمِّي مَشَقَّةً عَمَليّةً مُؤَقَّتةً كَأذى الطَّريقِ الَّذي يُعيقُ المُرورَ ولا يُلَوِّثُ السّالِك. وجِذرُ ع-ز-ل في «اعتَزِلوا» تَنحيةٌ جانِبيّةٌ تَبقى في صِلةٍ بِالأصل، لا إقصاء. وجِذرُ ط-ه-ر جاءَ في صيغَتَين: «يَطهُرنَ» لانقِطاعِ الحَدَثِ الطَّبيعيّ، و«تَطَهَّرنَ» على وَزنِ تَفَعَّل لِمُبادَرَتِهِنَّ إلى الاغتِسال، فكِلاهُما فِعلُها الحُرّ. وحينَ تَرتَفِعُ الحالُ جاءَ الفِعلُ حَميميّاً: فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾، وجِذرُ أ-ت-ي إقبالٌ بِقَصدٍ ولُطفٍ لا بُرودةَ لَفظٍ فِقهيٍّ فيه. وتَختِمُ بِقَرينةٍ خِتاميّةٍ مِن جِذرَي ت-و-ب وط-ه-ر: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾، فالرُّجوعُ الأخلاقيُّ الدَّاخليُّ يَقترِنُ بِالعِنايةِ الحِسِّيَّةِ الخارِجيَّةِ في بابٍ واحِد، وهذا القِرانُ يُعَلِّمُ أنَّ العَلاقةَ الزَّوجيّةَ بابُ رُقِيٍّ مُزدَوَج.