البقرة · الآية 223

﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ۖ وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ۖ وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ

«أنّى شِئتُم»: رَفعُ القَيدِ الشَّكليِّ عَن الكَيفيّة

تُحَرِّرُ الآيةُ العَلاقةَ الزَّوجيّةَ مِن كُلِّ تَقييدٍ شَكليٍّ بِلُغةٍ رَحبةٍ واحِدة: «أنّى شِئتُم»، ولا تَخوضُ في تَفاصيلِ الكَيفيّةِ ولا تَربِطُها بِنَتيجةٍ مَزعومة.

والآيةُ في طَبَقَتِها الأعمَقِ تَتَكَلَّمُ عَن بِنيةِ العَلاقةِ الزَّوجيّةِ بِرُمَّتِها، دونَ تَفاصيلِ الوَضعِ الحَميم، ولِذلك افتُتِحَت بِجُملةٍ تَعريفيّةٍ كامِلة: «نِساؤُكُم حَرثٌ لَكُم»، وهي تَحديدٌ لِدَورِ الزَّواجِ في المُجتَمَعِ البَشَريّ، وليسَت تَوصيفاً لِلجَسَد.

(ح ر ث): الفِعلُ الَّذي يُعِدُّ التُّربةَ لِلحَياةِ

و(ح ر ث) هو الجِذرُ المَركَزيُّ في الآية، وأصلُه في اللُّغةِ اسمُ فِعلٍ ثُمَّ اسمُ نَتيجَتِه، وليسَ اسمَ شَيء. يُقالُ «حَرَثَ الأرضَ» إذا شَقَّها وقَلَّبَها لِتَقبَلَ البَذر، فالحَرثُ إعدادُ التُّربةِ لِحَياةٍ قادِمة، وهو فِعلٌ مُستَمِرٌّ يَتَطَلَّبُ جَهداً وعِنايةً ومَوسِمَ بَذلٍ يَسبِقُ مَوسِمَ الجَنى.

والقِراءةُ الحَرفيّةُ الَّتي تَجعَلُ المرأةَ «أرضاً» يَملِكُها زَوجُها تُسقِطُ نِصفَ المَعنى، والأرضُ في العَرَبيّةِ غَيرُ «الحَرث»، و«الحَرثُ» اسمُ فِعلٍ يَحتَمِلُ مَعنى المَكانِ الَّذي يُحرَثُ ومَعنى الفِعلِ نَفسِه. وفي أغلَبِ الاستِعمالاتِ القُرآنيّةِ يُقابِلُ «الحَرث» النّاتِجَ المُنتَظَر، لا الأرضَ المَملوكة، فالحَرثُ ثَمَرةُ الجُهدِ المُشتَرَكِ لا مَحَلُّ المُمارَسة.

«نِساؤُكُم حَرثٌ لَكُم»: العَلاقةُ تُسَمَّى بِثَمَرَتِها

والتَّعريفُ في «نِساؤُكُم حَرثٌ لَكُم» يُسَمّي المرأةَ بِدَورِها في سِياقٍ مُعَيَّن، لا بِذاتِها، وهذا أسلوبٌ قُرآنيٌّ مَعروفٌ يُسَمّى فيه الشَّيءُ بِثَمَرَتِه أو بِوَظيفَتِه في السِّياقِ المَذكور، كما سُمِّيَ الله «نور» لأنَّه يُنيرُ القُلوب، لا لأنَّه ضَوءٌ مادِّيّ.

والمَعنى المَقصودُ أنَّ العَلاقةَ الزَّوجيّةَ في بُعدِها الإنجابيِّ حَرثٌ يَتَشارَكانِه، وليسَ أنَّ المرأةَ أرضٌ يَملِكُها الرَّجُل. ولِذلك جاءَ التَّعبيرُ بِلامِ المِلكيّةِ في «لَكُم»، والمُرادُ أنَّ لِلحَرثِ مُستَثمِراً، لا أنَّ المرأةَ نَفسَها مَملوكة، والمُستَثمِرُ في الحَقيقةِ كِلاهُما، لأنَّ الحَرثَ لا يَقومُ بِطَرَفٍ واحِد.

(أ ت ي) + (أ ن ي): الحُرِّيّةُ داخِلَ الوِعاءِ لا خارِجَه

ثُمَّ جاءَ الفِعلُ في «فأتوا حَرثَكُم أنّى شِئتُم»، و(أ ت ي) هو نَفسُه الَّذي جاءَ في الآيةِ السّابِقةِ بَعدَ الطُّهر («فأتوهُنَّ»)، وقد تَكَرَّرَ هُنا بِدَلالةِ الإقبالِ الحَميميِّ، دونَ العَنيف.

و(أ ن ي) في «أنّى شِئتُم» تَحتَمِلُ في العَرَبيّةِ مَعنَيَين: «كَيفَ» و«مَتى»، فالآيةُ تَفتَحُ لَهُما حُرِّيّةً واسِعةً في زَمانِ الحَميميّةِ وكَيفيَّتِها، غَيرَ أنَّها تُبقي هذه الحُرِّيّةَ مُعَلَّقةً بِقَيدِ «حَرثَكُم»، والمَعنى: كَيفَ وكَيفَما شِئتُما، ما دُمتُما في مَوضِعِ الحَرث، أي في مَوضِعٍ يَقبَلُ أن يُنتِجَ حَياة. وفي هذا إلغاءٌ لِلخُرافاتِ الشَّكليّةِ مَعَ حِفظِ الإطارِ الوَظيفيِّ لِلعَلاقة.

(ق د م) + (ن ف س): اللَّحظةُ الحاضِرةُ تَعمَلُ في الغَد

و«وقَدِّموا لأنفُسِكُم» جُملةٌ مِفصَليّةٌ في الآية، و(ق د م) في صيغةِ التَّفعيل (قَدَّم) مَعناه إرسالُ الشَّيءِ إلى ما هو أمامَ المَرءِ في الزَّمان، فالتَّقديمُ هُنا تَزويدٌ لِلمُستَقبَل، وليسَ حَرَكةً مَكانيّة.

ومَجيءُ هذا النِّداءِ في سِياقِ الحَميميّةِ الزَّوجيّةِ مُثيرٌ لِلانتِباه، وهو يَقولُ لِلزَّوجِ إنَّ اللَّحظةَ الَّتي يَعيشُها الآنَ لا تَنتَهي عِندَ جَسَدٍ يَلتَقي بِجَسَد، وإنَّها تَذهَبُ مِنه إلى ذاتِه في صورةِ ابنٍ سَيُرَبّيه، وبَيتٍ سَيَقومُ عَلَيه، وأثَرٍ سَيَحمِلُه. فالحَميميّةُ في الأُفقِ القُرآنيِّ عَمَلٌ مُمتَدّ، لا حَدَثٌ مُنعَزِل.

(و ق ي) + (ع ل م) + (ل ق ي): لَحظةُ الحَميميّةِ تَحتَ سَقفِ المُعاد

وأُتبِعَ الأمرُ بِالتَّقديمِ بِأمرٍ آخَر: «واتَّقوا اللهَ واعلَموا أنَّكُم مُلاقوه». وأصلُ (و ق ي) الحِمايةُ مِن أذى، والتَّقوى هُنا حِمايةٌ لِلعَلاقةِ مِن أن تَتَحَوَّلَ إلى اسمٍ آخَرَ غَيرِ حَقيقَتِها.

ولِذِكرِ اللِّقاءِ بِاللهِ في آيةٍ تَتَحَدَّثُ عَن الحَميميّةِ الزَّوجيّةِ شَأنٌ بالِغُ الأهَمِّيّة، والنَّصُّ يَأبى أن تَكونَ مِنطَقةٌ مِن حَياةِ المُؤمِنِ مُنفَصِلةً عَن سَقفِ الحُضورِ الإلهيّ، واللَّحظةُ الأكثَرُ خُصوصيّةً في بَيتٍ زَوجيٍّ تُعاشُ هي أيضاً تَحتَ ذاكِرةِ اللِّقاءِ بِالله، على أنَّ ذلك سَقفٌ يَحفَظُ لَها مَعناها، لا قَيدٌ بارِد.

(ب ش ر): الخاتِمةُ تُخرِجُ العَلاقةَ مِن دائرةِ العار

وخُتِمَتِ الآيةُ بِـ«وبَشِّرِ المُؤمِنين»، وأصلُ (ب ش ر) الخَبَرُ المُفرِحُ الَّذي يُغَيِّرُ بَشَرةَ الوَجهِ سُروراً. ومَجيءُ هذه الخاتِمةِ بَعدَ آيةٍ تَتَحَدَّثُ عَن الحَميميّةِ الزَّوجيّةِ قَصدٌ واعٍ، يَحمي بِه النَّصُّ العَلاقةَ الزَّوجيّةَ مِن أن تُؤطَّرَ بِإطارِ العارِ أو النَّجاسةِ أو التَّكَلُّف.

والبِشارةُ هُنا بِنَمَطِ حَياةٍ زَوجيّةٍ تَعيشُ الحَميميّةَ بِوَصفِها نِعمةً تَستَدعي الشُّكر، لا حاجةً بَيولوجيّةً تَستَدعي الخَجَل، ولا تَقِفُ عِندَ ثَوابٍ مَوعود. فالمُؤمِنُ في الأُفقِ القُرآنيِّ يَفرَحُ بِجَسَدِه ضِمنَ إطارِه الحَلال، ولا يَتَعامَلُ مَعَه على أنَّه عائِقٌ رُوحانيٌّ يَلزَمُ التَّحَفُّظُ مِنه.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: فـ«الحَرثُ» اسمٌ لِدَورِ إنتاجٍ مُشتَرَكٍ لِحَياةٍ قادِمةٍ لا لِمِلكِ جَسَد، و«أتيانُ الحَرث» اسمٌ لِإقبالٍ حَميميٍّ داخِلَ الإطارِ الوَظيفيِّ لِلزَّوجيّة، و«أنّى شِئتُم» اسمٌ لِحُرِّيّةٍ واسِعةٍ في الكَيفيّةِ والزَّمانِ تَرفَعُ الخُرافاتِ الشَّكليّة، و«قَدِّموا لأنفُسِكُم» اسمٌ لِامتِدادِ اللَّحظةِ الحاضِرةِ في الغَدِ القَريبِ والبَعيد، و«بَشِّرِ المؤمِنين» اسمٌ لِتَحريرِ الحَميميّةِ الزَّوجيّةِ مِن دائرةِ العارِ إلى دائرةِ النِّعمة. وبِهذا تَرُدُّ الآيةُ العَلاقةَ الزَّوجيّةَ إلى وَظيفَتِها البانيةِ لِلأُسرةِ والجيل، وتَحفَظُها تَحتَ سَقفِ التَّقوى مِن غَيرِ أن تَختَنِقَ بِه.


حَصيلة

الآيةُ تَرفَعُ القَيدَ الشَّكليَّ عَن كَيفيّةِ المُعاشَرة، ولا تَربِطُها بِنَتيجةٍ مَزعومة، وهي في طَبَقَتِها الأعمَقِ تُعَرِّفُ بِنيةَ العَلاقةِ الزَّوجيّةِ كُلَّها. وجِذرُ ح-ر-ث في «نِساؤُكُم حَرثٌ» اسمُ فِعلٍ ونَتيجة، وليسَ اسمَ مِلكيّة، ومَعناه إعدادُ التُّربةِ لِحَياةٍ قادِمةٍ يَتَشارَكُها الزَّوجان، فالعَلاقةُ تُسَمّى بِدَورِها الإنتاجيِّ لا بِمِلكِ جَسَد. وجِذرُ أ-ت-ي في «فأتوا» هو نَفسُه الَّذي جاءَ في الآيةِ السّابِقةِ بَعدَ الطُّهر، وهو إقبالٌ حَميميٌّ بِقَصدٍ ولُطف. وجِذرُ أ-ن-ي في «أنّى» يَحمِلُ كَيفَ ومَتى مَعاً، فيَفتَحُ حُرِّيّةً واسِعةً في زَمانِ الحَميميّةِ وكَيفيَّتِها داخِلَ الإطارِ الوَظيفيِّ وَحدَه، فيُلغي الخُرافاتِ الشَّكليّةَ مَعَ حِفظِ المَقصَد. ثُمَّ يَجيءُ جِذرُ ق-د-م في «قَدِّموا لأنفُسِكُم» مِفصَلاً، ومَعناه إرسالُ الشَّيءِ إلى ما أمامَ المَرءِ في الزَّمان، أي أنَّ اللَّحظةَ الحاضِرةَ تَعمَلُ في الغَدِ بِالوَلَدِ والبَيتِ والأثَر. وجِذرُ ل-ق-ي في «مُلاقوه» يَجعَلُ اللِّقاءَ الإلهيَّ سَقفاً لِأخَصِّ اللَّحظاتِ الزَّوجيّة، ومِعياراً يَحفَظُ لَها مَعناها، لا قَيداً بارِداً. وتَختِمُ الآيةُ بِجِذرِ ب-ش-ر في «وبَشِّرِ المُؤمِنين»، فالحَميميّةُ الزَّوجيّةُ نِعمةٌ تَستَدعي الشُّكر، لا حاجةٌ بيولوجيّةٌ تَستَدعي الخَجَل، ومَن آمَنَ يَعيشُ جَسَدَه ضِمنَ إطارِه الحَلالِ بِوَصفِه مَوهِبةً لا عائِقاً رُوحانيّاً.