النساء · الآية 51

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا

«أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ»: نَظَرٌ يُوَجَّهُ إلى أصحابِ حِصّة

تَفتَتِحُ الآيةُ بِالسُّؤالِ الذي افتُتِحَت بِه الآيةُ الرّابِعةُ والأربَعون، بِحُروفِه كُلِّها: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ﴾. و«ألَم» استِفهامٌ يَطلُبُ من المُخاطَبِ أن يُقِرَّ بِما رَآه، والرُّؤيةُ إذا عُدِّيَت بِـ«إلى» صارَت نَظَراً يُوَجَّهُ نَحوَ شَيءٍ حتّى يَقَعَ عَلَيه، والمُخاطَبُ فيها واحِد. ثُمَّ يُعَرَّفُ المَنظورُ إلَيهِم بِما أُعطوا، و«أُوتوا» يُثبِتُ العَطاءَ ويَطوي المُعطِيَ في بِنائه، والمُعطى «نَصيباً» نَكِرةً «مِنَ الكِتاب».

والنَّصيبُ من ن-ص-ب، وقد سَمَّت بِه السّورةُ حِصَصَ الوَرَثةِ في الآيةِ السّابِعة: لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾، فهو حِصّةٌ تُقامُ لِصاحِبِها وتُفرَدُ لَه من كُلٍّ أكبَرَ مِنها. واللَّفظُ نَفسُه يَقَعُ هُنا على الكِتاب، فالذي في أيديهِم حِصّةٌ مِنه، و«مِن» تَجعَلُ الكِتابَ أوسَعَ مِمّا صارَ إلَيهِم. وهذا الوَصفُ بِلَفظِه في ثَلاثِ آياتٍ من الكِتاب: آيةٍ في آلِ عِمران، والرّابِعةِ والأربَعينَ من هذه السّورة، وهذه الآية.

«يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ»: ثِقةٌ تُعقَدُ بِاسمَين

والفِعلُ الذي يَلي الوَصفَ من أ-م-ن، والإيمانُ أن يَجعَلَ المَرءُ أمنَه في شَيءٍ فيَسكُنَ إلَيه ويَستَنِدَ عَلَيه، والباءُ تَعقِدُ هذه الثِّقةَ بِما تَتَعَلَّقُ بِه. وقد جاءَ هذا الفِعلُ بِبائه في نِداءِ الذينَ أوتوا الكِتابَ في الآيةِ السّابِعةِ والأربَعين: آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا﴾، وهُنا يَأتي خَبَراً عن أصحابِ النَّصيب، ويَقَعُ على «الجِبتِ والطّاغوت».

وفي البَقَرةِ جُمِعَ الطّاغوتُ مَعَ هذا الفِعلِ ومَعَ ضِدِّه في جُملةٍ واحِدة: فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ﴾، فالتَّغطيةُ هُناكَ تَقَعُ على الطّاغوتِ والثِّقةُ تَقَعُ على الله. وفي هذه الآيةِ صارَ الطّاغوتُ مَوضِعَ الثِّقة، وصارَ الذينَ غَطَّوا مَوضِعَ الثَّناءِ في قَولِهِم، فانقَلَبَ الطَّرَفانِ اللَّذانِ رُتِّبا هُناك.

«الْجِبْت» و«الطَّاغُوت»: كُتلةٌ ساكِنةٌ وفَيضٌ يُجاوِزُ حَدَّه

و«الجِبتُ» اسمٌ يَنفَرِدُ بِه هذا المَوضِعُ من الكِتاب، ولا يَرِدُ فيه من حُروفِه غَيرُه، فقِراءَتُه من حُروفِه ومن جِوارِه. فالجيمُ اجتِماعٌ وتَكَتُّل، والباءُ اتِّصالٌ وتَمَسُّك، والتّاءُ قَطعٌ وتَمام، فإذا قُرِئَ الاسمُ من حُروفِه كانَ كُتلةً مُجتَمِعةً لاصِقةً بِمَوضِعِها، قد تَمَّت عِندَ حَدِّها فلا تَمضي إلى شَيء.

وقُرِنَ بِه «الطّاغوتُ»، وهو من ط-غ-ي، والطُّغيانُ عُلُوُّ الشَّيءِ فَوقَ حَدِّه حتّى يُجاوِزَه، كما في إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾، وبِناؤه على «فَعَلوت» يُكَثِّرُ هذا التَّجاوُزَ ويُبالِغُ فيه. ويَعودُ عَلَيه في الكِتابِ ضَميرُ المُفرَدِ المُذَكَّرِ في الآيةِ السِّتّينَ من هذه السّورة وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ﴾، وفِعلُ الجَماعةِ في البَقَرة أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم﴾، وضَميرُ المُؤَنَّثِ في الزُّمَر اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا﴾، فهو اسمٌ يَتَّسِعُ لِلواحِدِ ولِلجَماعة. فالآيةُ تَجمَعُ تَحتَ ثِقةٍ واحِدةٍ وباءٍ واحِدةٍ اسمَينِ على هَيئَتَينِ مُتَقابِلَتَين: كُتلةٌ مُنغَلِقةٌ على نَفسِها ساكِنة، وفَيضٌ يَعلو حَدَّه ولا يَقِفُ عِندَه.

«هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا»: حُكمٌ في التَّقَدُّمِ على الطَّريق

ثُمَّ يُنقَلُ قَولُهُم: «ويَقولونَ لِلَّذينَ كَفَروا». واللّامُ تَحتَمِلُ أن يَكونَ القَولُ مُوَجَّهاً إلى الذينَ كَفَروا، وأن يَكونَ قَولاً فيهِم، و«هؤلاءِ» إشارةٌ إلى القَريبِ تَعودُ على الذينَ كَفَروا أنفُسِهِم، فهي أقرَبُ إلى القَولِ فيهِم. و«أهدى» على أفعَلَ من ه-د-ي، والهُدى تَقَدُّمٌ يَمضي أمامَ السّائرِ في طَريقِه، و«سَبيلاً» تُعَيِّنُ ما تَقَعُ فيه المُفاضَلة: الطَّريق. فالذينَ غَطَّوا في قَولِهِم أسبَقُ على الطَّريقِ من الذينَ آمَنوا.

وفي الآيةِ ثَلاثةُ أفعالٍ من الجِذرَين: هُم «يُؤمِنون»، والفَريقُ الذي قَدَّموه «كَفَروا»، والفَريقُ الذي أخَّروه «آمَنوا». فالفِعلُ الذي يُسَمّي مَن أخَّروهُ على الطَّريقِ هو الفِعلُ الذي تَصِفُهُم بِه الآيةُ أنفُسَهُم، غَيرَ أنَّ ثِقَتَهُم مَعقودةٌ بِالجِبتِ والطّاغوت. وتَلتَقي الآيةُ بِالرّابِعةِ والأربَعينَ في طَرَفَيها: تَبدَأُ كِلتاهُما بِالسُّؤالِ نَفسِه، وتَنتَهي كِلتاهُما بِالسَّبيل، فهُناكَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾، وهُنا «أهدى ... سَبيلاً». فوَصفُهُم في الآيَتَينِ يَدورُ على الطَّريق: ضَلالٌ يُرادُ لِلمُخاطَبين، وهُدىً يُحكَمُ بِه لِمَن غَطّى.


حَصيلة

تَفتَحُ الآيةُ نَظَراً يُوَجَّهُ إلى الذينَ أوتوا نَصيباً من الكِتاب، بِالسُّؤالِ الذي فُتِحَت بِه الرّابِعةُ والأربَعون، والنَّصيبُ في السّورةِ حِصّةٌ مُقامةٌ من كُلٍّ أكبَرَ مِنها. ثُمَّ تَصِفُهُم بِفِعلِ الثِّقةِ من أ-م-ن، مَعقوداً بِالباءِ على اسمَين: «الجِبت»، وهو في هذا المَوضِعِ وَحدَه، يُقرَأُ من حُروفِه كُتلةً مُجتَمِعةً لاصِقةً بِمَوضِعِها قد تَمَّت، و«الطّاغوت» من ط-غ-ي، فَيضٌ يُجاوِزُ حَدَّه على بِناءٍ يُكَثِّرُ التَّجاوُز. فانقَلَبَ فيهِم تَرتيبُ البَقَرة، إذ وَقَعَتِ الثِّقةُ على ما جَعَلَتهُ تِلكَ الآيةُ مَوضِعَ التَّغطية. وتَنقُلُ الآيةُ حُكمَهُم: الذينَ غَطَّوا أهدى سَبيلاً من الذينَ آمَنوا، والهُدى من ه-د-ي تَقَدُّمٌ أمامَ السّائر، فيَحكُمُ في التَّقَدُّمِ على الطَّريقِ مَن ثِقَتُه في ساكِنٍ لا يَمضي وفائضٍ لا يَقِف، وتَنتَهي الآيةُ بِالسَّبيلِ كما انتَهَت بِه أُختُها.