الإسراء · الآية 58

﴿وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا

«وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا»: حَصرٌ لا تُفلِتُ منه واحِدة

ثَلاثُ أدَواتٍ تَعمَلُ مَعاً في ثَلاثِ كَلِمات: «إِن» نافِيةٌ بِمَعنى «ما»، و«مِن» زائِدةٌ لا تُزادُ إلّا لِتَستَغرِقَ النَّفيَ فلا يَبقى فَردٌ خارِجَه، و«قَرْيَةٍ» نَكِرةٌ في سِياقِ النَّفي، والنَّكِرةُ هُنا تَعُمّ. ثُمَّ يَجيءُ «إِلَّا» فيُحصَرُ العُمومُ في حُكمٍ واحِد.

والقَريةُ لم تُسَمَّ مِنها واحِدة، لا اسمَ لَها ولا قَرنَ ولا جِهة، والصّيغةُ نَفسُها تَمنَعُ التَّسمِية، إذ مَن سَمّى واحِدةً فقد أخرَجَ سِواها من نَفيٍ لا يُخرِجُ أحَداً.

فالجُملةُ قانونٌ مَوضوعٌ على الجِنسِ كُلِّه، وليسَت خَبَراً عن أُمَمٍ مَضَت، ومَن يَقرَؤُها داخِلٌ في هذا الجِنس.

«نَحْنُ مُهْلِكُوهَا أَوْ مُعَذِّبُوهَا»: اسمُ فاعِلٍ لا فِعلٌ مَضى

وعُدِلَ عن «أهلَكْناها» و«عَذَّبْناها» إلى «مُهْلِكُوهَا» و«مُعَذِّبُوهَا»، وهُما اسما فاعِل، واسمُ الفاعِلِ يَصِفُ ولا يُؤَرِّخ، فالوَصفُ قائِمٌ الآن، والوَقتُ مَفتوحٌ إلى أجَلِه.

وقُدِّمَ «نَحْنُ» مُبتَدَأً قَبلَ الخَبَر، فالفاعِلُ مُصَرَّحٌ بِه قَبلَ الفِعل، فلا يُقالُ في هذا البابِ إنَّ القُرى تَسقُطُ بِأسبابِها وَحدَها.

والفِعلانِ مُختَلِفا الوَزن: فـ«مُهْلِك» من أهلَكَ على أفعَل، وهو إيقاعُ الهَلاكِ دَفعةً تُنهي، و«مُعَذِّب» من عَذَّبَ على فَعَّل، ووَزنُ فَعَّلَ يُفَصِّلُ الفِعلَ ويُكَرِّرُه، فالأوَّلُ يَقطَعُ والثّاني يُطاوِل. وهُما طَريقانِ لا ثالِثَ لَهُما، و«أَوْ» تُفيدُ أنَّ الواحِدةَ تَأخُذُ أحَدَهُما ولا تُعطى الاختِيار.

«قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ»: أجَلٌ يُضرَبُ لِلطَّريقَينِ مَعاً

والظَّرفُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبلَه، فيَشمَلُ الطَّريقَين، ولا يُؤَجَّلُ شَيءٌ من هذا إلى ما بَعدَ ذلك اليَوم، وكُلُّه واقِعٌ في هذه الجِهةِ من الحَدّ.

وهذا يُخرِجُ الآيةَ من أن تُقرَأَ وَعداً بِحِسابٍ مُؤَجَّل، والحِسابُ في مَوضِعٍ آخَر، وهذه القُرى يَنتَهي أمرُها قَبلَ أن يُفتَحَ ذلك البابُ أصلاً.

«عَذَابًا شَدِيدًا»: النَّعتُ يَقَعُ على الأطوَلِ لا على الأقطَع

وذُكِرَ الهَلاكُ عارِياً بِلا نَعت، ونُعِتَ العَذابُ بِـ«شَدِيدًا» ووُكِّدَ بِمَصدَرِه، والذي يُنعَتُ هو الأطوَلُ زَماناً لا الأقطَع.

و«شَدِيدًا» من ش-د-د: ضَمٌّ يُضغَطُ فيَثبُتُ ثُمَّ يُعادُ تَثبيتُه، فالشِّدّةُ لُزومٌ بِلا فُرجة، ولا تَقِفُ عِندَ عِظَمٍ في المِقدار. والرِّباطُ الشَّديدُ أضيَقُ الرُّبُطِ فُرجةً على المَعقود، وليسَ أثقَلَها.

«كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا»: كِتابةٌ في صُفوف

وعُدِلَ عن «مَكتوباً» إلى «مَسْطُورًا»، والسَّطرُ صَفٌّ يَتلوهُ صَفّ، ومِنه سَطرُ الشَّجَرِ وسَطرُ القَومِ إذا اصطَفّوا. فالمَعنى أنَّ الأمرَ مَصفوفٌ في تَرتيب، ولا يَقِفُ عِندَ كَونِه مُثبَتاً.

وهذا يُجيبُ عن «أَوْ»: فالآيةُ لم تُبَيِّنْ أيَّ قَريةٍ تُهلَكُ وأيَّها تُعَذَّب، ولا مَتى، وأخبَرَت أنَّ التَّوزيعَ مَصفوفٌ حَيثُ لا نَقرَأ، فالغُموضُ عِندَنا لا عِندَ الكِتاب.

و«كَانَ» تَضَعُ الكِتابةَ سابِقةً على الحادِث، فالقَريةُ لم تُسَجَّلْ بَعدَ سُقوطِها، وقد سَقَطَت على سَطرٍ كانَ مَخطوطاً. والصَّفُّ الذي لم يُقرَأْ لَيسَ صَفّاً لم يُكتَب.


حَصيلة

ثَلاثُ أدَواتٍ تُطبِقُ النَّفيَ على جِنسِ القُرى كُلِّه فلا تُفلِتُ منه واحِدة، ولِذلك لا تُسَمّى فيه واحِدة، لأنَّ التَّسمِيةَ تَنقُضُ الاستِغراقَ الذي بُنِيَت عَلَيه الجُملة. ثُمَّ يُقَدَّمُ الفاعِلُ مُصَرَّحاً بِه، ويوصَفُ بِاسمِ فاعِلٍ لا بِفِعلٍ مَضى، فالحُكمُ قائِمٌ غَيرُ مَحكِيّ. وطَريقاهُ مُختَلِفا الوَزن: إهلاكٌ يَقَعُ دَفعةً فيَقطَع، وتَعذيبٌ يُفَصَّلُ فيُطاوِل، والنَّعتُ والتَّوكيدُ يَقَعانِ على الثّاني لا على الأوَّل، والشِّدّةُ في جَذرِها لُزومٌ بِلا فُرجةٍ لا ثِقَلٌ في المِقدار. وكِلاهُما مَحدودٌ بِـ«قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ»، فلا شَيءَ منه يُؤَجَّلُ إلى ما وَراءَ الحَدّ. ثُمَّ يُخبَرُ أنَّ ذلك كُلَّه مَسطور، مَصفوفٌ سَطراً بَعدَ سَطر، ولا يَقِفُ عِندَ كَونِه مَكتوباً. فالذي أُبهِمَ عَلَينا بِـ«أَوْ» مُرَتَّبٌ هُناكَ في صَفٍّ يُقرَأ، والغُموضُ في عَينِ القارِئِ لا في القَلَم.