الإسراء · الآية 78

﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا

«أَقِمِ الصَّلَاةَ»: نَصبٌ لا مُجَرَّدُ أداء

عُدِلَ عن «صَلِّ» إلى «أَقِمِ»، وهو من الانتِصاب، على وَزنٍ يَنقُلُ الانتِصابَ إلى غَيرِ القائِم، فالمَأمورُ بِه أن تُنصَبَ الصَّلاةُ كما يُنصَبُ العَمود.

والفَرقُ بَينَ أداءِ الشَّيءِ وإقامَتِه أنَّ الأداءَ يَقَعُ ويَنقَضي، والإقامةَ تَترُكُ شَيئاً قائِماً بَعدَ فاعِلِها. و«الصَّلاة» مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إليه، ولا يُعادُ تَفكيكُه هُنا.

وهذا الجَذرُ نَفسُه يَعودُ في الآيةِ التّالِيةِ اسماً لا فِعلاً، في مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾، فيُؤمَرُ بِنَصبٍ هُنا، ويُذكَرُ مَوضِعُ قِيامٍ هُناك، والفِعلُ في يَدِ المَأمور، والمَوضِعُ لَيسَ في يَدِه.

«لِدُلُوكِ الشَّمْسِ»: حَدَثٌ في الشَّمسِ لا ساعةٌ تُعَدّ

و«الدُّلوك» من د-ل-ك، وأصلُ الجَذرِ ضَغطٌ يَمُرُّ مُلاصِقاً ثُمَّ يَنفَلِتُ عن مَوضِعِه، يُقالُ «دَلَكَ الشَّيءَ» إذا مَرَسَه بِيَدِه ضاغِطاً، فهو يَمُرُّ ويَزول.

فالمَوقوتُ بِه حَدَثٌ في الشَّمسِ نَفسِها، ولَيسَ رَقماً، وهو مُرورُها الضّاغِطُ حَتّى تَنفَلِتَ عن مَوضِعِها الذي كانَت فيه، ولا تُسَمّي الآيةُ ذلك المَوضِع.

واللّامُ في «لِدُلُوكِ» لامُ الوَقت، كما يُقالُ: لَقيتُه لِثَلاثٍ خَلَون، فهي تُعَيِّنُ المَبدَأَ الذي يُبتَدَأُ مِنه، لا الغايةَ التي يُنتَهى إليها.

«إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ»: طَرَفانِ كِلاهُما حَرَكة

و«إلى» تَرسُمُ حَدّاً، فيَصيرُ ما بَينَ الطَّرَفَينِ مَسافةً لا نُقطة، وقد بُدِئَ بِحَرَكةٍ وانتُهِيَ إلى حَرَكة.

و«الغَسَق» من غ-س-ق، وأصلُه تَغطيةٌ سائِلةٌ تَستَقِرُّ بَعدَ سَيَلان، يُقالُ «غَسَقَ اللَّيلُ» إذا سالَ ظَلامُه ثُمَّ ثَبَت، فالظُّلمةُ تُصَبُّ صَبّاً حَتّى تَملَأ، ولا تُوضَعُ وَضعاً.

والطَّرَفانِ شَمسٌ تَنفَلِتُ عن مَوضِعِها، وظَلامٌ يَسيلُ حَتّى يَستَقِرّ، ولم يُذكَرْ في الحَدَّينِ عَدَدٌ ولا اسمُ وَقت، وذُكِرَ فيهِما فِعلانِ يُرَيان، والوَقتُ في الآيةِ شَيءٌ يُنظَرُ إليه فيُعرَف.

«وَقُرْآنَ الْفَجْرِ»: جَمعٌ يُسَمّى عِندَ ساعةِ انشِقاق

و«قُرْآنَ» مَنصوبٌ مَعطوفٌ على «الصَّلَاةَ» دونَ الوَقت، فالمَأمورُ بِه شَيئان: صَلاةٌ تُنصَبُ على امتِداد، وقُرآنٌ يُسَمّى عِندَ حَدّ.

وقد تَبَدَّلَ الاسم، فما سُمِّيَ أوَّلَ الآيةِ صَلاةً يُسَمّى آخِرَها قُرآناً، والتَّسمِيةُ لا تُلغي الأولى، غَيرَ أنَّها تُقَدِّمُ فيها وَجهاً على وَجه.

و«القُرآن» من ق-ر-أ، وأصلُه ضَمٌّ يَلتَئِمُ ثُمَّ يُطلَقُ مَجموعاً، و«الفَجر» مادّتُه ف-ج-ر، وأصلُها شَقٌّ يَنبَثِقُ عنه المَحبوسُ ثُمَّ يَجري، فاجتَمَعَ في التَّركيبِ لَفظُ ضَمٍّ مُضافٌ إلى لَفظِ انشِقاق، أي يُجمَعُ الكَلامُ في السّاعةِ التي تَنشَقُّ فيها الظُّلمة.

«إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا»: عِبارةٌ تُعادُ وشاهِدٌ لا يُسَمّى

و«قُرْآنَ الْفَجْرِ» هو الشَّيءُ الوَحيدُ الذي أُعيدَ في الآيةِ بِلَفظِه، ولَو أُريدَ الاختِصارُ لَقيلَ «إنَّه كانَ مَشهوداً»، والإعادةُ تَضَعُ الثِّقَلَ حَيثُ وَقَعَت.

و«مَشْهُودًا» اسمُ مَفعولٍ مُنَكَّر، أُثبِتَ لَه الحُضورُ ولم يُسَمَّ الحاضِر، والآيةُ تَسكُتُ عن الشّاهِدِ سُكوتاً هو جُزءٌ مِمّا قالَته.

وقُرِنَ بِـ«كَانَ»، فهو وَصفٌ مُستَقِرٌّ سَبَقَ الأمرَ ولم يُحدِثْه الأمر، ولَيسَ وَعداً يُنتَظَرُ ولا حالاً تَطرَأ، والمَأمورُ يُؤمَرُ بِما هو مَحضورٌ قَبلَ أن يَحضُرَه.


حَصيلة

أمرٌ بِنَصبٍ لا بِأداء، في «أَقِمِ»، على وَزنٍ يَنقُلُ الانتِصابَ إلى غَيرِ القائِم، فتُترَكُ الصَّلاةُ قائِمةً كما يُترَكُ العَمود. ثُمَّ يُوَقَّتُ بِحَدَثَينِ يُرَيانِ دونَ عَدَدٍ يُحفَظ: شَمسٌ تَمُرُّ ضاغِطةً حَتّى تَنفَلِتَ عن مَوضِعِها، وظَلامٌ يَسيلُ حَتّى يَستَقِرَّ في مَحَلِّه، و«إلى» بَينَهُما تَجعَلُ ما بَينَهُما مَسافةً لا نُقطة. ثُمَّ يُعطَفُ على المَأمورِ بِه شَيءٌ ثانٍ، لا وَقتٌ ثانٍ، هو «وَقُرْآنَ الْفَجْرِ»، فيَتَبَدَّلُ الاسمُ من صَلاةٍ إلى قُرآن، ويَقَعُ لَفظُ الضَّمِّ مُضافاً إلى لَفظِ الانشِقاق. ثُمَّ تُعادُ العِبارةُ بِحُروفِها ويُوصَفُ المُعادُ بِأنَّه «مَشْهُودًا» مُنَكَّراً، فيَثبُتُ الحُضورُ ولا يُسَمّى الحاضِر، ويُقرَنُ بِـ«كَانَ» فيَصيرُ وَصفاً سابِقاً لِلأمرِ غَيرَ ناشِئٍ عنه، وما كانَ مَشهوداً قَبلَ المَأمورِ لا يَنتَظِرُ حُضورَه لِيَصيرَ كَذلك.