طه · الآية 59

﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى

«مَوْعِدُكُمْ»: الكَلِمةُ تُرَدُّ ويُبَدَّلُ ما أُضيفَت إلَيه

أُخِذَتِ الكَلِمةُ من فَمِ طالِبِها، فقد قالَ «مَوْعِدًا» فقيلَ لَه «مَوْعِدُكُمْ»، واللَّفظُ واحِدٌ والإضافةُ جَديدة.

وكانَ قد قالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ﴾، فأعادَ الظَّرفَ لِكُلِّ طَرَفٍ على حِدَة، وهُنا يَسقُطُ الظَّرفانِ مَعاً ويُضافُ المَوعِدُ إلى «كُم» وَحدَها، فتُرفَعُ الجِهةُ الأخرى من الجُملة.

فما كانَ مَوعِداً بَينَ اثنَينِ صارَ مَوعِداً لَهُم، ولم يَدخُلْ في المُواعَدةِ مَن سُئِلَ أن يُواعِد، وإنَّما عَيَّنَ لِلقَومِ وَقتَهُم، فتُعَيَّنُ السّاعةُ ولا يُقالُ مَن يَحضُرُها.

«يَوْمُ الزِّينَةِ»: طُلِبَ مَكانٌ فجاءَ زَمان

وهُنا مَوضِعُ الآيةِ كُلِّه، فآخِرُ ما طَلَبَه في كَلامِه مَكَانًا سُوًى﴾، أي أرضاً يُوقَفُ عَلَيها، وأوَّلُ ما عَيَّنَه الجَوابُ «يَوْمُ»، أي وَقتاً يُنتَظَر.

سُئِلَ عن أينَ فأُجيبَ عن مَتى. ولم يُذكَرْ في الآيةِ كُلِّها مَكانٌ ألبَتّة، فلا أرضٌ ولا مَوضِعٌ ولا حَدٌّ، وقد أُخِذَتِ الكَلِمةُ المَطلوبةُ وأُبدِلَ ما تَحتَها.

و«الزِّينَةِ» من ز-ي-ن، وهو ما يُضافُ إلى الشَّيءِ من خارِجِه فيَبرُزُ لِلعَين، فاليَومُ مُسَمّىً بِما يوضَعُ عَلَيه لا بِما هو فيه، والإضافةُ تُعَرِّفُه ولا تَصِفُه: لا يُقالُ في الآيةِ ما هذا اليَومُ ولا مَتى هو ولا مِمَّ زينَتُه. فيُقرَأُ اللَّفظُ ويُوقَفُ عِندَه.

«وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ»: المَوعِدُ شَيئانِ لا شَيءٌ واحِد

وجاءَت الواوُ ثُمَّ «أَن» ومُضارِعٌ عَطفاً على «يَوْمُ»، فالخَبَرُ اثنان: يَومٌ، وأن يُجمَعَ النّاس، ولم يَكتَفِ بِتَعيينِ الوَقتِ حتّى شَرَطَ الحُضور.

والفِعلُ «يُحْشَرَ» مَبنِيٌّ لِلمَجهول، فلا يُقالُ مَن يَجمَعُهُم، والنّاسُ مَرفوعونَ نائِبَ فاعِل، والجامِعُ مَتروك.

وأصلُ ح-ش-ر ضَمُّ المُتَفَرِّقاتِ بِحَرَكةٍ جارِيةٍ حتّى تَستَوعِبَها، و«النَّاسُ» مُعَرَّفةٌ بِلا تَخصيص، فالمَطلوبُ حُضورٌ عامٌّ لا وَفدٌ ولا شُهودٌ يُختارون. والذي سَألَ أرضاً تَستَوي بَينَ اثنَينِ أُجيبَ بِجَمعٍ يَحضُرُه النّاس.

«ضُحًى»: ساعةٌ يَنبَسِطُ فيها الضَّوءُ فلا يَبقى مَستور

وآخِرُ كَلِمةٍ في الآيةِ نَكِرةٌ مَنصوبةٌ على الظَّرف، فجاءَت «ضُحًى» مُنَكَّرةً، وعُدِلَ عن «في الضُّحى» وعن «الضُّحى».

ومادّةُ ض-ح-و انبِساطُ حَرارةٍ وضَوءٍ يَتَّصِلُ بِسَطحٍ يَتَلَقّاه، فالضُّحى الوَقتُ الذي يَرتَفِعُ فيه الضَّوءُ عَنِ الأُفقِ ويَنبَسِطُ على الأرضِ ولَمّا يَبلُغْ ذُروَتَه.

فاجتَمَعَ في الجَوابِ ثَلاثةٌ يَنفي كُلٌّ منها خَفاءً: يَومٌ يُعرَفُ بِزينَتِه فيَشتَهِر، وجَمعٌ يَحضُرُه النّاسُ فلا يَخلو المَوضِعُ من عَين، وساعةٌ يَنبَسِطُ فيها الضَّوءُ فلا يَبقى ظِلٌّ يُستَرُ فيه، وكانَ طَلَبُه أرضاً مُستَوِيةً فأُعطِيَ وَقتاً لا يُخفي.


حَصيلة

تُؤخَذُ الكَلِمةُ من فَمِ طالِبِها وتُرَدُّ إلَيه بِإضافةٍ أُخرى: قالَ «مَوعِداً» بَينَ اثنَينِ فقيلَ «مَوْعِدُكُمْ»، وسَقَطَ الظَّرفُ الذي أعادَه لِكُلِّ طَرَف. ثُمَّ يَقَعُ التَّبديلُ الأكبَر، فآخِرُ ما طَلَبَه مَكانٌ مُستَوٍ، وأوَّلُ ما عَيَّنَه الجَوابُ يَوم، ولَيسَ في الآيةِ كُلِّها مَكانٌ ألبَتّة، فقد سُئِلَ عن أينَ فأُجيبَ عن مَتى. واليَومُ مُعَرَّفٌ بِالإضافةِ إلى ما يوضَعُ عَلَيه من خارِجِه، ولا يُقالُ فيه أكثَرُ من ذلك ولا يُعَيَّنُ بِشَيء. ثُمَّ يُعطَفُ على اليَومِ شَرطٌ ثانٍ: أن يُجمَعَ النّاس، بِفِعلٍ مَبنِيٍّ لِلمَجهولِ لا يُسَمّى جامِعُه، ومادّتُه ضَمُّ المُتَفَرِّقاتِ حتّى تُستَوعَب. ثُمَّ تُختَمُ الآيةُ بِظَرفٍ مُنَكَّرٍ من مادّةِ انبِساطِ الضَّوءِ على ما يَتَلَقّاه، فهي ثَلاثةٌ يَنفي كُلٌّ منها خَفاءً: يَومٌ مَشهور، وجَمعٌ حاضِر، وساعةٌ لا ظِلَّ فيها، وقد سَألَ أرضاً لا تُرَجِّحُ أحَداً، فأُعطِيَ ساعةً لا تَستُرُ أحَداً.