طه · الآية 74

﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ

«إِنَّهُ»: تَوكيدٌ يَسبِقُ مَن يَعودُ عَلَيه

تُفتَتَحُ الآيةُ بِتَوكيدٍ وضَميرٍ لَم يَظهَرْ لَه بَعدُ مَذكور، فالهاءُ تُمَهِّدُ لِلجُملةِ كُلِّها، ولا تَرجِعُ إلى اسمٍ سابِق.

وقَبلَ هذه الآيةِ بِقَليلٍ كانَ الكَلامُ مُوازَنةً بَينَ باقِيَين: أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ﴾ في فَمٍ، ثُمَّ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ في فَمٍ آخَر. فلَمّا انتَهَتِ المُوازَنةُ نَزَلَت قاعِدةٌ عامّة، ولم يُذكَرْ مَن غَلَب.

والقاعِدةُ لا تُسَمّي أحَداً مِمَّن تَقَدَّم، وتَقولُ «مَن» فتَتَّسِعُ لِكُلِّ آتٍ، فمَن خاصَمَ ومَن خوصِمَ سَواءٌ تَحتَ الشَّرط.

«مَن يَأْتِ رَبَّهُ»: مَجيءٌ يَقَعُ على المَجيءِ إليه بِلا حَرف

والفِعلُ مَجزومٌ بِحَذفِ الياء، فجاءَ «يَأْتِ» دونَ «يَأتي»، والشَّرطُ يَقطَعُ آخِرَ الكَلِمةِ كَما يَقطَعُ التَّرَدُّدَ في وُقوعِها.

وعُدِلَ عن «يَأتي إلى رَبِّه» إلى إيقاعِ الفِعلِ على «رَبَّهُ» مَفعولاً بِلا واسِطة، فالمَجيءُ في هذا المَوضِعِ بُلوغٌ يُلاقي، وليسَ سَيراً في جِهة.

والإضافةُ باقِيَة: فـ«رَبَّهُ» هو رَبُّه، لا رَبٌّ غَريبٌ يَطرَأُ عَلَيه في الآخِر، والذي جَرى مَعَه في نُمُوِّه هو الذي يَنتَهي إلَيه.

«مُجْرِمًا»: حالٌ يُؤتى بِها لا فِعلٌ يُذكَر

وأوثِرَ «مَن يَأْتِ ... مُجْرِمًا» على «مَن أجرَمَ»، فجُعِلَ الوَصفُ حالاً في وَقتِ الوُصول، ولم يُجعَلْ خَبَراً عن ماضٍ.

ومَدارُ ج-ر-م على كُتلةٍ تَجري ثُمَّ تُضَمُّ وتَلتَصِق، ومِنه «الجِرمُ» لِلجِسمِ المُتَحَيِّز، و«جَرَمَ» النَّخلَ إذا قَطَعَ ثَمَرَه. فالجُرمُ ما انفَصَلَ عن أصلِه ثُمَّ لَزِمَ قاطِعَه.

ولِذلك يَستَقيمُ أن يَكونَ حالاً، فالفِعلُ يَمضي وقَد فَرَغ، والكُتلةُ تَبقى على حامِلِها، والذي يَصِلُ ثِقلُ الفِعلِ غَيرُ الفِعلِ نَفسِه.

«فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ»: تَسمِيةٌ بِلا وَصف

واللّامُ لِلاختِصاص، وقد قُدِّمَت على الاسم: «لَهُ» ثُمَّ «جَهَنَّمَ»، فالخَبَرُ أنَّها لَه قَبلَ أن يُقالَ ما هي.

وهي تُسَمّى ولا تُوصَف، فلا لَونَ ولا اتِّساعَ ولا بابَ في هذه الآية، والمَذكورُ الاسمُ وَحدَه، ثُمَّ فِعلانِ مَنفِيّان.

«لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ»: طَرَفانِ يُنفَيانِ ولا يُسَمّى ثالِث

والظَّرفُ مَذكورٌ مَعَ الأوَّلِ وَحدَه: «فِيهَا» بَعدَ «لَا يَمُوتُ»، ثُمَّ جاءَ «وَلَا يَحْيَىٰ» عارِياً مِنه، فهو حَرفٌ يُقَيِّدُ المَنفِيَّ الأوَّلَ ولا يُعادُ لِلثّاني.

والمَوتُ من م-و-ت، وهو امتِدادٌ يَطولُ ثُمَّ يَنقَطِعُ عِندَ آخِرِه فيَسكُن، والحَياةُ من ح-ي-ي، وهي احتِواءٌ في الباطِنِ يَسري ويَمتَدُّ بِلين، وبَينَهُما في اللِّسانِ حَدٌّ لا ثالِثَ لَه.

فالآيةُ تَنفي الحَدَّينِ مَعاً ولا تُسَمّي ما بَقي، فقد أُغلِقَ البابانِ اللَّذانِ يَعرِفُهُما الإنسانُ ولَم يُفتَحْ غَيرُهُما، وأثقَلُ ما في الجُملةِ أنَّها تَنتَهي عِندَ هذا الحَدِّ ولا تَزيد.


حَصيلة

تَبدَأُ الآيةُ بِتَوكيدٍ وضَميرٍ يُمَهِّدُ لِلجُملةِ ولا يَرجِعُ إلى مَذكورٍ قَبلَه، فتَنزِلُ قاعِدةٌ عامّةٌ في أعقابِ مُوازَنةٍ عن الأبقى لَم يُعلَنْ فيها غالِب، وتَقولُ «مَن» فتَسَعُ الجَميع. والفِعلُ مَجزومٌ مَحذوفُ الآخِر، وقد وَقَعَ على «رَبَّهُ» بِلا حَرفٍ يوصِلُه، فالمَجيءُ بُلوغٌ يُلاقي، وليسَ سَيراً في جِهة، والإضافةُ باقِيةٌ حَتّى الطَّرَف. و«مُجْرِمًا» حالٌ، غَيرُ فِعلٍ ماضٍ، وأصلُ ج-ر-م كُتلةٌ تَجري ثُمَّ تُضَمُّ فتَلتَصِق، فالفِعلُ يَمضي والثِّقلُ يَبقى على حامِلِه، والذي يَصِلُ هو الوَصفُ دونَ الحادِثة. ثُمَّ «لَهُ» قَبلَ «جَهَنَّمَ»، وهو اختِصاصٌ يَسبِقُ التَّسمِيَة، واسمٌ يُقالُ ولا يُوصَف. ويُختَمُ الكَلامُ بِنَفيَينِ في أوَّلِهِما وَحدَه الظَّرف: لا مَوتٌ يَطولُ فيَنقَطِع، ولا حَياةٌ تَسري فتَمتَدّ، وهُما الحَدّانِ اللَّذانِ يَعرِفُهُما اللِّسان، فإذا نُفِيا مَعاً لَم يُسَمَّ ما بَقي.