البقرة · الآية 40

﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

«يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ»: النِّداءُ على المَنهَج لا على العِرق

النِّداءُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ يَقتَرِنُ في الآيةِ نَفسِها بِالعَهدِ والوَفاءِ (ع ه د، و ف ي)، فيَتَحَدَّدُ المُخاطَبُ بِما يَحمِلُه من عَقدٍ لا بِما يَنتَمي إلَيه من نَسَب. فـيَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ نِداءٌ لِلأُمّةِ التي حَمَلَت عَهدَ التَّوحيدِ قَبلَ هذا الكِتاب، والتي عُرِفَت بِمَنهَجِها دونَ دَمِها، ولا يَقِفُ عِندَ مُناداةِ سُلالةٍ مَحصورةٍ تَنتَمي إلى أصلٍ نَسَبِيّ. ولِذلك يَنفَتِحُ الخِطابُ على كُلِّ مَن وَرِثَ العَقد: مَن قالَ «لا إلهَ إلّا الله» فهو من بَني إسرائيلَ بِالمَعنى القُرآنِيّ، لأنَّه دَخَلَ في العَقد، وليسَ ذلك بِالنَّسَب.

وهذا التَّقديمُ مُهِمٌّ لأنَّ السّورةَ سَتُوَجِّهُ إلى هؤلاءِ المُخاطَبينَ لَوماً طَويلاً (41 إلى 103)، ثُمَّ تُفَصِّلُ لاحِقاً في بَني إسرائيلَ بِوَصفِهِم مُجتَمَعاً مَريضاً بِالاحتِكار. فإذا بَدَأنا من العِرقِ وَقَعنا في تَحميلِ ذُرِّيّةِ ذلك الأصلِ خَطايا أسلافِهِم، وإذا بَدَأنا من العَقدِ فَهِمنا أنَّ اللَّومَ لاحِقٌ بِنا اليَومَ إن نَكَثنا كما نَكَثوا، وأنَّ المَدحَ لاحِقٌ بِنا إن وَفَينا كما وَفى الصَّفوةُ مِنهُم.

«اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ» من (ذ ك ر) و (ن ع م): الاستِحضارُ بعدَ الغَفلة

و«الذِّكرُ» في جِذرِه (ذ ك ر) إمساكٌ حادٌّ بِالمَعنى يَستَرسِلُ زَماناً، أي اختِراقٌ لِغِشاءِ الغَفلة، ثُمَّ قَبضٌ على المَعنى يَمتَدّ، وليسَ تَذَكُّراً عابِراً. فـاذْكُرُوا﴾ طَلَبُ استِحضارٍ حَيّ، أي أن يَعودَ المَعنى إلى حُضورِ القَلبِ بَعدَ أن غاب، وهو غَيرُ طَلَبِ استِرجاعٍ بارِد.

و«النِّعمةُ» من (ن ع م)، وأصلُها في اللِّسانِ لُيونةُ الحَياةِ وسُهولَتُها. فالنِّعمةُ تَليينٌ لِطَريقٍ كانَ خَشِناً، تَجري فيه فتُسَهِّلُ ما كانَ صَعباً، وتَرِقُّ تَحتَ قَدَمِ السّائِرِ فلا تَجرَحُها، وليسَت هَدِيّةً تُعطى ثُمَّ تَنقَضي. وهذه النِّعمةُ عِندَ المُخاطَبينَ طَويلةُ الحَلَقات: نَجاةٌ من قَهرٍ مُحيط، ثُمَّ مَعبَرٌ يُفتَحُ في وَجهِ مَن لا مَعبَرَ لَه، ثُمَّ رِزقٌ يَنزِلُ عَفواً، ثُمَّ تَشريعٌ يَرفَعُ العُبودِيّةَ البَشَرِيّة، وأخيراً نُبُوّةٌ مُقيمةٌ فيهِم. والمَطلوبُ هُنا استِحضارُ هذا التَّليينِ كُلِّه لِيَكونَ دافِعاً لِلوَفاء، وليسَ المَطلوبُ شُكراً لَفظِيّاً.

«أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ»: العَقدُ المُتَبادَلُ المُستَدام

و«العَهدُ» في (ع ه د) عَقدٌ مُستَمِرُّ التَّجديد، يَبقى حَيّاً ما بَقِيَ كُلُّ طَرَفٍ يُراجِعُه ويَعودُ إلَيه، وليسَ قَسَماً يَقَعُ مَرّةً ثُمَّ يُنسى، ومن الجِذرِ نَفسِه «المَعهَدُ»، وهو المَكانُ الذي يُؤتى إلَيه مَرّةً بَعدَ مَرّةٍ لِيُرتَجَعَ فيه الالتِزام. و«الوَفاءُ» من (و ف ي)، ومَعناه إيصالُ الشَّيءِ إلى تَمامِه فلا يُترَكُ ناقِصاً، كما يَفي الكَيلُ فيَبلُغُ حَدَّه. وقَولُه أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ صِياغةُ مُعادَلةٍ دَقيقة: الرَّبُّ يَنتَظِرُ إيصالَ العَبدِ لالتِزامِه إلى التَّمامِ لِيَرُدَّ بِإيصالِ الخاصّةِ الإلهِيّةِ إلى التَّمام.

والذي يوفيه العَبدُ مَنهَجُ العُبودِيّةِ كُلُّه: تَركُ تَلبيسِ الحَقِّ بِالباطِل، وإقامةُ الصَّلاة، وإيتاءُ الزَّكاة، والصِّدقُ في الأمرِ بِالمَعروف، والآياتُ اللّاحِقةُ كُلُّها تَفصيلٌ لِهذا العَهدِ الإجمالِيّ. والذي يوفيه الرَّبُّ المَعرِفةُ بِه والتَّقريب. والعَقدُ هُنا يَتَجاوَزُ الأداءَ إلى الانتِساب: العَبدُ يوصِلُ عَهدَه بِاعتِرافِه بِرَبِّه لِساناً وحالاً، والرَّبُّ يوصِلُ عَهدَه بِالخاصّةِ والقُرب.

«وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ» من (ر ه ب): اليَقَظةُ لا الذُّعر

وتَقديمُ وَإِيَّايَ﴾ على الأمرِ يُفيدُ الحَصر، كما في إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾: اليَقَظةُ لَه وَحدَه دونَ سِواه. ثُمَّ الرَّهبةُ نَفسُها، وأصلُها في جِذرِها (ر ه ب) يَقَظةُ الجَسَدِ أمامَ ما يَستَحِقُّ الانتِباه، أي تَشَدُّدٌ داخِلِيٌّ يَحرُسُ العَقدَ من الانفِلات، وهي يَقَظةٌ مَوصولةٌ بِمَعرِفة، وليسَت ذُعراً أعمى، ولا رَجفةَ خائِفٍ لا يَعرِفُ ما يَخافُ مِنه.

والفَرقُ بَينَ فَارْهَبُونِ﴾ هُنا وفَاتَّقُونِ﴾ في الآيةِ التي تَليها فَرقُ مَراتِب. والرَّهبةُ مَرتَبةٌ أولى تُناسِبُ مَن لم يُحِطْ بَعدُ بِتَفاصيلِ الحُدود، فيَكفيه أن يَتَشَدَّدَ لأمرٍ عَلِمَ جُملَتَه ولم يُحِطْ بِتَفاصيلِه، والتَّقوى مَرتَبةٌ أعلى، وهي جِهازُ أمنٍ وِقائِيٌّ يَحجُزُ النَّفسَ عن الظُّلمِ بِمَعرِفةِ الحَدِّ قَبلَ أن يُخطَف. ولِذلك لا يَكادُ القُرآنُ يَأمُرُ بِالرَّهبةِ مُفرَدةً إلّا في سِياقِ خِطابِ الأُمَمِ السّابِقة، وأمّا الأمرُ المُتَكَرِّرُ في جَسَدِ السّورةِ كُلِّها فـ«اتَّقوا»، أي ارتَفِعوا من الرَّهبةِ الإجمالِيّةِ إلى التَّقوى التَّفصيلِيّة.

والرَّهبةُ في وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ تَصلُحُ لأوَّلِ الدَّرَجات، والتَّقوى في فَاتَّقُونِ﴾ ثَمَرةٌ لِما بَعدَها، وثَمَرةُ المَعرِفةِ كُلِّها عِبادةٌ تامّة، هي عُبودِيّةٌ تُؤَدّي الدَّورَ الذي خُلِقَ لَه الإنسان، وليسَت تَقوى مُجَرَّدةً ولا شُهوداً مَقطوعاً.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: «بَنو إسرائيلَ» في القُرآنِ دَورُ الأُمّةِ المُوَحِّدة، و«العَهدُ» عَقدُ عَمَلٍ مُتَبادَلٍ لا طَقسُ انتِماء، و«الرَّهبةُ» يَقَظةٌ على العَقدِ لا ذُعرٌ من الرَّبّ.


حَصيلة

يَفتَتِحُ النِّداءُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ بِإعادةِ الحُضور، لا بِتَوبيخ: (ذ-ك-ر) اختِراقٌ حادٌّ يَقبِضُ على المَعنى بَعدَ أن غابَ عن اليَد، و(ن-ع-م) تَليينٌ لِطَريقٍ كانَ خَشِناً فيَسيرُ تَحتَ القَدَمِ بِرِفق، وليسَت هَدِيّةً مُنفَصِلة. والأمرُ الأوَّلُ لِلجَماعةِ المُعاهِدةِ دونَ العِرق: «بَنو إسرائيل» في هذه الرُّؤيةِ دَورٌ لا نَسَب، وكُلُّ مَن حَمَلَ عَقدَ التَّوحيدِ فهو في هذا الخِطاب. ثُمَّ يَجيءُ (ع-ه-د)، وهو بُروزٌ يَملَأُ فَراغاً ويَبقى فيه، يُراجَعُ ويُجَدَّدُ بَينَ طَرَفَين، ولا يَقَعُ مَرّةً ثُمَّ يُنسى، و(و-ف-ي) إيصالُه إلى تَمامِه دونَ نَقص. وفي صِياغةِ أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ تَوازُنٌ دَقيق: عَقدٌ مُتَبادَلٌ يَنتَظِرُ كُلُّ طَرَفٍ فيه إيصالَ الآخَرِ إلى التَّمام، وليسَ فيها سَيِّدٌ يَشتَرِطُ على عَبيد. ثُمَّ خُتِمَ بِتَقديمِ الضَّميرِ في وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾، وهو حَصرٌ لِلرَّهبةِ في مَرجِعٍ واحِد، و(ر-ه-ب) يَقَظةُ الجَسَدِ تُجاهَ ما يَستَحِقُّ الانتِباه، وليسَ ذُعراً أعمى. والتَّشريعُ هُنا يَبدَأُ من استِحضارِ التَّليينِ السّابِقِ واستِكمالِ العَقدِ القائِم، ولا يَبدَأُ من الخَوفِ المُجَرَّد، وهذا ما يَجعَلُ الرَّهبةَ يَقَظةً على مَعرِفةٍ لا ارتِعاشةً في جَهالة.