النساء · الآية 106

﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا

«وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ»: طَلَبُ غِطاءٍ يَعقُبُ النَّهي

تَأتي الآيةُ بِأمرٍ واحِدٍ مَعطوفٍ بِالواوِ على ما خُتِمَت بِه الآيةُ الخامِسةُ بَعدَ المِئة: وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾، والمُخاطَبُ فيهِما واحِد، هو الذي أُنزِلَ إلَيه الكِتابُ لِيَحكُمَ بَينَ النّاس. فبَعدَ نَهيٍ يَحفَظُه من أن يَصيرَ طَرَفاً يَقبِضُ على جانِبِ الخائن، يَأتيه أمرٌ يَتَوَجَّهُ بِه إلى الله: «واستَغفِرِ الله». والاستِغفارُ من غ-ف-ر على الاستِفعال، والسّينُ والتّاءُ فيه لِلطَّلَب، والجِذرُ غِطاءٌ كَثيفٌ يَجري على الشَّيءِ ويَلزَمُه فيَصونُه، ومِنه المِغفَرُ، ما يُجعَلُ على الرَّأسِ فيَقيه الضَّرب. فالمُستَغفِرُ يَسأَلُ أن يُلقى على ما كانَ مِنه غِطاءٌ يَستُرُه ويَحفَظُه.

والفِعلُ هُنا مُتَعَدٍّ إلى اسمِ اللهِ وَحدَه، فالمَسؤولُ مُسَمّىً، وما يُطلَبُ سِترُه مَطويٌّ في اللَّفظ. وقد جاءَ الأمرُ نَفسُه في غَيرِ هذا المَوضِعِ مَوصولاً بِما يُستَغفَرُ لَه، كقَولِه وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾، وجاءَ هُنا مُطلَقاً يَلي النَّهيَ عن الخُصومةِ لِلخائنين، فهو قائمٌ في المَشهَدِ نَفسِه، وما يَقَعُ عَلَيه مَفتوحٌ في لَفظِه. والذي تُثبِتُه الآيةُ أنَّ مَن جُعِلَ لَه أن يَحكُمَ بَينَ النّاسِ «بِما أراكَ الله» يُؤمَرُ هُنا أن يَطلُبَ السِّترَ من الله، فالحُكمُ الذي يُمسِكُ أمرَ النّاسِ على وَجهِه يَقتَرِنُ في صاحِبِه بِطَلَبٍ يَرفَعُه إلى مَن هو فَوقَه.

«إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا»: سِترٌ يَتَكَرَّرُ ووِعاءٌ يَحتَضِن

ثُمَّ تُعَلِّلُ الآيةُ الأمرَ بِـ«إنَّ»، وتُعيدُ اسمَ اللهِ ظاهِراً في مَوضِعٍ كانَ يَكفي فيه ضَميرُه، فيَبقى المَسؤولُ والمَوصوفُ اسماً واحِداً يَتَرَدَّدُ في الجُملَتَين. و«كانَ» تُقيمُ الوَصفَينِ صِفَتَينِ ثابِتَتَينِ لا يَحصُرُهُما زَمَنٌ مَضى، فالمُستَغفِرُ يَتَوَجَّهُ إلى مَن كانَ هذا شَأنَه قَبلَ أن يَسأَل. والغَفورُ على فَعول، بِناءٌ يَدُلُّ على كَثرةِ الفِعلِ وتَكَرُّرِه، فهو سِترٌ يُبسَطُ مَرّةً بَعدَ مَرّة. والرَّحيمُ من ر-ح-م، والجِذرُ وِعاءٌ رَقيقٌ يَنطَوي على ما في داخِلِه ويَحفَظُه، ومِنه الرَّحِمُ مُستَقَرُّ الجَنين، وهي التي جاءَت في الآيةِ الأُولى من السّورةِ بِلَفظِ «الأرحام».

فالاسمانِ يَجتَمِعانِ على المُستَغفِرِ من جِهَتَين: غِطاءٌ يُلقى على ما كانَ مِنه فيَستُرُه من خارِج، ورِقّةٌ تَضُمُّه من داخِلٍ كما يَضُمُّ الوِعاءُ ما فيه. ويَعودُ الاسمانِ في الآيةِ العاشِرةِ بَعدَ المِئة، وقد صارا هُناكَ ما يَجِدُه مَن عَمِلَ سوءاً أو ظَلَمَ نَفسَه ثُمَّ استَغفَر: يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾. فالأمرُ الذي وُجِّهَ هُنا إلى المُخاطَبِ وَحدَه يَنفَتِحُ هُناكَ لِكُلِّ عامِل، وبَينَ الآيَتَينِ يَقِفُ الَّذينَ يَختانونَ أنفُسَهُم، ويَستَخفونَ من النّاس، ومَن جادَلَ عَنهُم.


حَصيلة

تَأتي الآيةُ بِأمرٍ يَعقُبُ النَّهيَ عن الخُصومةِ لِلخائنين، والمُخاطَبُ فيهِما واحِد، فيُؤمَرُ مَن جُعِلَ لَه الحُكمُ بَينَ النّاسِ أن يَستَغفِرَ الله، والاستِغفارُ من غ-ف-ر طَلَبُ غِطاءٍ كَثيفٍ يَستُرُ ويَصون، وقد تَعَدّى الفِعلُ إلى اسمِ اللهِ وبَقِيَ ما يُستَغفَرُ مِنه مَفتوحاً. ثُمَّ تُعَلِّلُ الأمرَ بِأنَّ اللهَ كانَ غَفوراً رَحيماً، صِفَتَينِ ثابِتَتَين: سِترٌ يَتَكَرَّرُ على بِناءِ فَعول، ورِقّةٌ تَحتَضِنُ من ر-ح-م، يَلتَقِيانِ على المُستَغفِرِ من خارِجٍ ومن داخِل. ويَعودُ الاسمانِ في العاشِرةِ بَعدَ المِئةِ لِمَن عَمِلَ سوءاً أو ظَلَمَ نَفسَه ثُمَّ استَغفَر، فالطَّريقُ التي أُمِرَ بِها الحاكِمُ أوَّلاً تُفتَحُ بَعدُ لِكُلِّ عامِل.