النساء · الآية 107

﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا

«وَلَا تُجَادِلْ عَنِ»: قَولٌ يُفتَلُ في مَوضِعِ غَيرِ قائلِه

يَعودُ الخِطابُ إلى النَّهيِ بَعدَ الأمرِ بِالاستِغفار، فتَتَتابَعُ على المُخاطَبِ نَفسِه ثَلاثُ آيات: نَهيٌ في الخامِسةِ بَعدَ المِئة، وأمرٌ في السّادِسةِ بَعدَ المِئة، ونَهيٌ هُنا. وقد جاءَ النَّهيُ الأوَّلُ بِاسمٍ تَلزَمُه الصِّفة، «خَصيماً»، وجاءَ هذا بِفِعلٍ يَقَعُ النَّهيُ فيه على كُلِّ مُجادَلةٍ تَكون: «ولا تُجادِلْ». والجِدالُ من ج-د-ل، وأصلُه في كَلامِ العَرَبِ فَتلُ الحَبلِ فَتلاً مُحكَماً، يُقالُ «جَدَلَ الحَبلَ» إذا شَدَّ فَتلَه، و«الجَديلُ» الزِّمامُ المَفتول، فالمُجادَلةُ قَولٌ يُفتَلُ ويُشَدُّ لِيَغلِبَ قَولاً يُقابِلُه. و«تُجادِلْ» على المُفاعَلة، فالفَتلُ جارٍ من الطَّرَفَين، كُلٌّ يَشُدُّ حُجَّتَه على حُجّةِ صاحِبِه.

و«عَن» تَجعَلُ هذا الجِدالَ قائماً في مَوضِعِ غَيرِ المُجادِل، فهو يُحاجُّ عن قَومٍ ويَدفَعُ عَنهُم، ولِسانُه في مَقامِ ألسِنَتِهِم. والجِذرانِ اللَّذانِ جاءَ بِهِما النَّهيانِ يَجتَمِعانِ في الكِتابِ في آيةٍ واحِدة: مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾، فالجَدَلُ فيها صَنعةُ قَومٍ لَزِمَتهُمُ الخُصومة. والنَّهيانِ هُنا يُحيطانِ بِالمُخاطَبِ من الجِهَتَين: ألّا يَصيرَ خَصيماً تَلزَمُه الخُصومةُ لِلخائنين، وألّا يَفتِلَ القَولَ عَنهُم ولو مَرّة.

«الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ»: نَقصٌ يَقَعُ على ذَواتِ أصحابِه

والذينَ يُجادَلُ عَنهُم مُسَمَّونَ بِفِعلِهِم: «الَّذينَ يَختانونَ أنفُسَهُم». والفِعلُ من خ-و-ن، والجِذرُ نَقصٌ يَسري في باطِنِ ما اؤتُمِنَ عَلَيه المَرءُ وظاهِرُه قائم، وهو الجِذرُ الذي جاءَ مِنه «الخائنين» في الآيةِ الخامِسةِ بَعدَ المِئة. و«يَختانون» على الافتِعال، والافتِعالُ يَجعَلُ الفِعلَ صَنعةً يَعمَلُها صاحِبُها ويَجتَهِدُ فيها، ومَجيئُه مُضارِعاً يَجعَلُه جارِياً لم يَنقَطِع. ولم يَرِدْ هذا الفِعلُ في الكِتابِ إلّا هُنا وفي آيةٍ من سورةِ البَقَرةِ وَقَعَ فيها على المَفعولِ نَفسِه: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾.

ومَفعولُ الخِيانةِ هُنا «أنفُسَهُم». والنَّفسُ من ن-ف-س، الذّاتُ الحَيّةُ التي يَجري نَفَسُها من جَوفِها، فالنَّقصُ الذي يُحدِثونَه فيما اؤتُمِنوا عَلَيه يَقَعُ في لَفظِ الآيةِ على ذَواتِهِم، والآيةُ تُسَمّي خِيانَتَهُم بِمَوقِعِها فيهِم. وفي الثّالِثةَ عَشْرةَ بَعدَ المِئةِ يَرتَدُّ فِعلٌ آخَرُ على أصحابِه على هذا النَّحو: وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ﴾، فالفِعلُ في هذا المَقطَعِ يَعودُ على فاعِلِه.

«إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا»: وَصفانِ استَقَرّا في صاحِبِهِما

ثُمَّ تُعَلِّلُ الآيةُ النَّهيَ بِـ«إنَّ»، وتَنتَقِلُ من الجَمعِ في «الَّذينَ يَختانون» إلى «مَن» التي تَسَعُ كُلَّ واحِد، فتَصيرُ الصِّفةُ قاعِدةً تَقَعُ على كُلِّ مَن قامَت بِه. و«خَوّاناً» من الجِذرِ نَفسِه على فَعّال، بِناءٍ يُكثِرُ الفِعلَ ويُكَرِّرُه حتّى يَصيرَ عادةً لِصاحِبِه، و«أثيماً» من أ-ث-م على فَعيل، والإثمُ ثِقلٌ يَبقى على الفاعِلِ بَعدَ فِعلِه فيُبطِئُه، فالأثيمُ مَن استَقَرَّ فيه هذا الثِّقلُ وتَراكَم. و«كانَ» تَجعَلُ الوَصفَينِ حالاً ثابِتةً فيمَن وُصِفَ بِهِما.

والمَحَبّةُ من ح-ب-ب، وأصلُها في كَلامِ العَرَبِ اللُّزومُ والثَّبات، يُقالُ «أحَبَّ البَعيرُ» إذا بَرَكَ فلَزِمَ مَكانَه، فالحُبُّ تَعَلُّقٌ يَلزَمُ ما تَعَلَّقَ بِه، والآيةُ تَنفيه عَمَّن جَمَعَ الوَصفَين. وهذه الهَيئةُ، «إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ» يَتلوها وَصفانِ مَنصوبان، لم تَرِدْ في الكِتابِ إلّا هُنا وفي السّادِسةِ والثَّلاثينَ من هذه السّورة: إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾. وكُلٌّ من الوَصفَينِ هُنا جاءَ في مَوضِعٍ آخَرَ تَحتَ النَّفيِ نَفسِه: «خَوّان» في إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾، ولم تَرِدْ كَلِمةُ «خَوّان» في الكِتابِ في غَيرِ هذَينِ المَوضِعَين، و«أثيم» في وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾.


حَصيلة

تَعودُ الآيةُ بِالمُخاطَبِ إلى النَّهيِ بَعدَ الأمرِ بِالاستِغفار، فتَنهاه أن يُجادِل، والجِدالُ من ج-د-ل قَولٌ يُفتَلُ ويُشَدُّ لِيَغلِبَ قَولاً يُقابِلُه، و«عَن» تُقيمُه في مَوضِعِ مَن يُدافِعُ عَنهُم، فيَجتَمِعُ مَعَ «خَصيماً» في الخامِسةِ بَعدَ المِئةِ نَهيانِ من جِذرَينِ يَقتَرِنانِ في الكِتاب. والمُدافَعُ عَنهُم قَومٌ «يَختانونَ أنفُسَهُم»، من خ-و-ن، يُحدِثونَ النَّقصَ في باطِنِ ما اؤتُمِنوا عَلَيه، والفِعلُ على الافتِعالِ واقِعٌ على ذَواتِهِم، ولم يَرِدْ إلّا هُنا وفي آيةٍ من سورةِ البَقَرة. ثُمَّ تُعَلِّلُ النَّهيَ بِقاعِدةٍ تَعُمُّ الواحِد: اللهُ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّاناً اعتادَ الخِيانةَ وكَرَّرَها، أثيماً استَقَرَّ فيه ثِقلُ ما فَعَل. والمَحَبّةُ من ح-ب-ب لُزومٌ وتَعَلُّق، والآيةُ تَنفيها عَمَّن جَمَعَ الوَصفَين، على هَيئةٍ لم تَرِدْ في الكِتابِ إلّا هُنا وفي السّادِسةِ والثَّلاثين.