النساء · الآية 105

﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا

«إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ»: كِتابٌ يَنزِلُ ومَعَه الثّابِت

تَفتَتِحُ الآيةُ بِـ«إنّا»، تَوكيداً يَصدُرُ عن المُتَكَلِّمِ بِضَميرِ الجَمع، ثُمَّ «أنزَلنا» من ن-ز-ل، والجِذرُ مَكنونٌ يُضغَطُ فيَتَهَيَّأُ لِلخُروجِ ثُمَّ يَنسابُ إلى أسفَلَ حتّى يَستَقِرّ، و«أنزَلَ» على أفعَلَ يَجعَلُ النُّزولَ فِعلاً يُوقِعُه المُتَكَلِّمُ بِغَيرِه. و«إلَيكَ» تُعَيِّنُ المُنتَهى: الكِتابُ يَبلُغُ المُخاطَبَ نَفسَه. و«الكِتاب» من ك-ت-ب، ما ضُمَّ فأُثبِتَ في مَوضِعِه فلا يَتَفَلَّت، وهو الجِذرُ الذي وَصَفَت بِه الآيةُ الثّالِثةُ بَعدَ المِئةِ الصَّلاةَ: «كِتاباً مَوقوتاً».

و«بِالحَقّ» حالُ هذا الإنزال، والباءُ تُلابِسُ بَينَ الكِتابِ والحَقّ، فالكِتابُ نَزَلَ والحَقُّ مَعَه. والحَقُّ من ح-ق-ق، ثُبوتُ الشَّيءِ في مَقَرِّه ثُبوتاً لا يَتَزَحزَح، ومنه «حَقَّ الأمرُ» ثَبَتَ ووَجَب، و«حَقيقٌ بِكذا» لازِمٌ لَه جَديرٌ بِه، كما في حَقِيقٌ عَلَىٰ أَن لَّا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾. فالكِتابُ الذي يُحكَمُ بِه يَحمِلُ في نُزولِه ما لا يَميلُ ولا يَتَحَوَّل، وعلى هذا الثّابِتِ يَقومُ الحُكمُ الذي تَذكُرُه الآيةُ بَعدَه.

«لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ»: حُكمٌ بِما أُري

واللّامُ في «لِتَحكُمَ» تَجعَلُ الحُكمَ غايةَ الإنزال. والحُكمُ من ح-ك-م، إمساكُ الأمرِ على وَجهِه حتّى لا يَنفَلِتَ إلى غَيرِه، فالحاكِمُ يُمسِكُ ما تَنازَعَه المُتَنازِعونَ ويَرُدُّه إلى مَوضِعِه. و«بَينَ النّاس» تَجعَلُ مَجالَ الحُكمِ النّاسَ عامّة. وقد جاءَ الحُكمُ بَينَ النّاسِ في الآيةِ الثّامِنةِ والخَمسين: وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾، وقد افتُتِحَت تِلكَ الآيةُ بِأداءِ الأمانات: أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾.

و«بِما أراكَ الله» تُعَيِّنُ ما يُحكَمُ بِه. و«أراكَ» فِعلٌ من ر-أ-ي على أفعَل، والجِذرُ إدراكٌ يَنبَثِقُ من تَأَهُّبٍ فيَقَعُ على ما يُرى، و«أراه الشَّيءَ» جَعَلَه يَراه، فالفاعِلُ هُنا الله، والمُخاطَبُ يَحكُمُ بِرُؤيةٍ أُعطِيَها ولم يَصنَعْها لِنَفسِه. ويَبقى ما أُرِيَه مُبهَماً في «ما»، فيَحتَمِلُ ما في الكِتابِ الذي نَزَلَ بِالحَقّ، ويَحتَمِلُ ما يُبصِرُه المُخاطَبُ بِه من أمرِ ما يُعرَضُ عَلَيه.

«وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا»: خُصومةٌ تُحمَلُ عن خائن

ثُمَّ يَأتي النَّهي: «ولا تَكُنْ لِلخائنينَ خَصيماً». والخَصمُ من خ-ص-م، قَبضٌ على جانِبٍ من أمرٍ يَلتَقي فيه القابِضُ بِمَن يَقبِضُ على جانِبِه الآخَر، ومنه «الخُصومة» الجَدَلُ والمُنازَعة، وفي الكِتابِ هَٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾. و«خَصيماً» على فَعيل، مَن تَلزَمُه الخُصومةُ ويَقومُ بِها، واللّامُ في «لِلخائنين» تَجعَلُ الخُصومةَ لِأجلِهِم، فالمَنهِيُّ عَنه أن يَصيرَ المُخاطَبُ طَرَفاً يَحمِلُ جانِبَهُم. وتُفَسِّرُ الآيةُ السّابِعةُ بَعدَ المِئةِ هذه اللّامَ بِحَرفٍ آخَر: وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ﴾، و«عن» فيها قِيامٌ في مَوضِعِ المُدافَعِ عَنه.

والخائنونَ من خ-و-ن، والجِذرُ نَقصٌ يَسري في باطِنِ ما اؤتُمِنَ عَلَيه المَرءُ وظاهِرُه قائم، ومنه يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾، والخائنةُ فيها ما يُسارَقُ من النَّظَرِ في خَفاء. و«الخائنين» اسمُ فاعِلٍ مَجموع، فالآيةُ تُسَمّيهِم بِصِفةٍ ثَبَتَت فيهِم، وتَعودُ الآيةُ السّابِعةُ بَعدَ المِئةِ إلى الجِذرِ نَفسِه مَرَّتَين: «يَختانونَ أنفُسَهُم» و«خَوّاناً». والخِيانةُ نَقيضُ الأمانةِ التي افتَتَحَت بِها الآيةُ الثّامِنةُ والخَمسونَ أمرَ الحُكمِ بَينَ النّاس، فالسّورةُ قَرَنَت هُناكَ الحُكمَ بِأداءِ الأمانات، وتَنهى هُنا عن أن يَقومَ الحاكِمُ لِمَن يَنقُضُها.


حَصيلة

تَفتَتِحُ الآيةُ بِإنزالِ الكِتابِ إلى المُخاطَبِ مُلتَبِساً بِالحَقّ، والحَقُّ ثابِتٌ في مَقَرِّه لا يَتَزَحزَح، وتَجعَلُ غايةَ الإنزالِ حُكماً يُمسِكُ الأمرَ بَينَ النّاسِ على وَجهِه، ومِقياسُه ما أراه اللهُ لِلمُخاطَب، رُؤيةً أُعطِيَها يَحتَمِلُ لَفظُها ما في الكِتابِ وما يُبصِرُه بِه. ثُمَّ تَنهاه عن أن يَكونَ لِلخائنينَ خَصيماً، طَرَفاً يَقبِضُ على جانِبِهِم، والخائنونَ قَومٌ يَسري النَّقصُ في باطِنِ ما اؤتُمِنوا عَلَيه. فالحُكمُ الذي قَرَنَته السّورةُ بِأداءِ الأماناتِ يُحفَظُ هُنا من الجِهةِ الأُخرى: أن يَصيرَ صاحِبُه خَصماً عن الخائن.