النساء · الآية 111

﴿وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا

«وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا»: يَدٌ تَضُمُّ إلى صاحِبِها ثِقلاً

ثُمَّ شَرطٌ ثانٍ بِـ«مَن» يَلي الشَّرطَ الذي فَتَحَ بابَ الاستِغفار: «ومَن يَكسِبْ إثماً». والكَسبُ من ك-س-ب، والجِذرُ إمساكٌ يَمتَدُّ جارِياً نَحوَ ما يَطلُبُه ثُمَّ يَصِلُه بِصاحِبِه، فالكاسِبُ يَمُدُّ يَدَه إلى الشَّيءِ ويَضُمُّه إلَيه. وقد جاءَ الجِذرُ في الثّانيةِ والثَّلاثينَ على الافتِعالِ نَصيباً يُنالُ بِالسَّعي، لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا﴾، وجاءَ هُنا مُجَرَّداً ومَفعولُه «إثماً». والإثمُ من أ-ث-م ثِقلٌ يَتَراكَمُ في الفاعِلِ من فِعلِه فيُبطِئُه، فالآيةُ تَصِفُ يَداً تَمتَدُّ لِتَضُمَّ إلى صاحِبِها شَيئاً، فإذا الذي ضَمَّتهُ ثِقلٌ يَبقى عَلَيه.

«فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ»: كَسبٌ مَقصورٌ على كاسِبِه

وجَوابُ الشَّرطِ «فإنَّما يَكسِبُه على نَفسِه». و«إنَّما» تَقصُرُ الكَسبَ على جِهةٍ واحِدة، فالإثمُ المَكسوبُ واقِعٌ على نَفسِ كاسِبِه ولا يَتَعَدّاها. و«على» تَجعَلُ المَكسوبَ حِملاً فَوقَ النَّفس، والكِتابُ يُفَرِّقُ بَينَ ما يُكسَبُ لِلنَّفسِ وما يُكسَبُ عَلَيها: لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾، فاللّامُ لِما يَنفَعُها، و«على» لِما يَثقُلُ عَلَيها. والنَّفسُ من ن-ف-س، الذّاتُ الحَيّةُ التي يَجري نَفَسُها من جَوفِها، وهي في الآيةِ السّابِقةِ مَوقِعُ الظُّلم، «أو يَظلِمْ نَفسَه»، وهي هُنا مَوقِعُ الحِمل.

والقَصرُ بِـ«إنَّما» يُغلِقُ بابَ الانتِقالِ من الكاسِبِ إلى غَيرِه، وعلى هذا المَعنى جاءَ قَولُه وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾، فالكَسبُ والوِزرُ يَبقَيانِ حَيثُ نَشَآ. وبِهذا القَصرِ تُمَهِّدُ الآيةُ لِما بَعدَها، فالثّانيةَ عَشْرةَ بَعدَ المِئةِ تَذكُرُ مَن يَكسِبُ ثُمَّ يَرمي بِما كَسَبَ غَيرَه، وقد أُغلِقَ البابُ الذي يُحاوِلُه هُنا قَبلَ أن يُذكَر.

«وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا»: عِلمٌ بِالكاسِبِ وإحكامٌ يُبقي الحِملَ في مَوضِعِه

وتُختَمُ الآيةُ بِـ«وكانَ اللهُ عَليماً حَكيماً»، وهي الخاتِمةُ نَفسُها التي خُتِمَت بِها الرّابِعةُ بَعدَ المِئة. والعِلمُ من ع-ل-م، والجِذرُ ما يَظهَرُ من العُمقِ فيُدرَكُ ويُمسَكُ في الباطِن، فالكاسِبُ مَعلومٌ بِما كَسَب، ولا يَلتَبِسُ عِندَ العَليمِ بِغَيرِه. والحَكيمُ من ح-ك-م، والجِذرُ تَضييقٌ يَحتَوي الشَّيءَ ويَحبِسُه عن الانفِلات، فالحِملُ مَحبوسٌ في المَوضِعِ الذي قَصَرَتهُ عَلَيه «إنَّما»، لا يَنفَلِتُ إلى غَيرِ كاسِبِه. فالخاتِمةُ تُقيمُ القَصرَ الذي في صَدرِ الآيةِ على عِلمٍ يَعرِفُ الكاسِبَ وإحكامٍ يُمسِكُ الحِملَ عَلَيه.


حَصيلة

تَأتي الآيةُ بِشَرطٍ ثانٍ بِـ«مَن»: مَن يَكسِبْ إثماً، والكَسبُ من ك-س-ب يَدٌ تَمتَدُّ إلى الشَّيءِ فتَضُمُّه إلى صاحِبِها، والمَضمومُ هُنا إثمٌ، من أ-ث-م، ثِقلٌ يَتَراكَمُ فيه ويُبطِئُه. ثُمَّ تَقصُرُ هذا الكَسبَ بِـ«إنَّما» على نَفسِ كاسِبِه، و«على» تَجعَلُه حِملاً فَوقَها، على ما يُفَرِّقُ بِه الكِتابُ بَينَ ما يُكسَبُ لِلنَّفسِ وما يُكسَبُ عَلَيها، والنَّفسُ من ن-ف-س هي التي ظُلِمَت في الآيةِ قَبلَها وهي التي تَحمِلُ هُنا. وتَختِمُ بِعِلمٍ من ع-ل-م لا يَلتَبِسُ عِندَه كاسِبٌ بِغَيرِه، وإحكامٍ من ح-ك-م يُمسِكُ الحِملَ في مَوضِعِه، فيُغلَقُ بابُ نَقلِ الإثمِ إلى غَيرِ صاحِبِه قَبلَ أن تَذكُرَ الآيةُ التّاليةُ مَن يُحاوِلُ ذلك.