النساء · الآية 112

﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا

«وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا»: اسمانِ لِما تَضُمُّه اليَد

ثُمَّ شَرطٌ ثالِثٌ بِـ«مَن» يَأخُذُ فِعلَ الآيةِ السّابِقةِ نَفسَه، «يَكسِبْ»، ويُعطيه مَفعولَينِ بَينَهُما «أو»: «خَطيئةً أو إثماً». والخَطيئةُ من خ-ط-أ، والجِذرُ امتِدادٌ يَنتَهي في غَيرِ مَوضِعِه، كالسَّهمِ يَقَعُ في غَيرِ الغَرَض، وعلى هذا الجِذرِ جاءَ في الثّانيةِ والتِّسعينَ «خَطَأً»، قَتلاً يَقَعُ على غَيرِ ما قُصِد، وجاءَ في مَوضِعٍ آخَرَ «خِطْئاً» لِقَتلٍ يُقصَد: إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾. والخَطيئةُ على فَعيلةٍ تُسَمّي الفِعلَ بِما وَقَعَ فيه من ذَهابٍ عن مَوضِعِه، وقد اجتَمَعَت مَعَ الكَسبِ في قَولِه بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾، فالخَطيئةُ هُناكَ تُحيطُ بِكاسِبِها ولا تُفارِقُه.

والإثمُ من أ-ث-م ثِقلٌ يَبقى على الفاعِلِ من فِعلِه فيُبطِئُه، وهو الذي قَصَرَتهُ الآيةُ السّابِقةُ على نَفسِ كاسِبِه. فالاسمانِ يُسَمِّيانِ ما تَضُمُّه اليَدُ من جِهَتَين: الخَطيئةُ بِذَهابِ الفِعلِ عن مَوضِعِه، والإثمُ بِالثِّقلِ الذي يُخَلِّفُه في صاحِبِه، و«أو» تَجعَلُ كُلّاً مِنهُما يَفتَحُ ما بَعدَه وَحدَه. وتَبقى الخَطيئةُ في الآيةِ مَفتوحةً على ما قُصِدَ وما لم يُقصَد، واسماهُما وَحدَهُما ما تُعطيه الآيةُ من الفَرقِ بَينَهُما.

«ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا»: إطلاقُ المَكسوبِ نَحوَ مَن خَرَجَ مِنه

ثُمَّ فِعلٌ ثانٍ بَعدَ الكَسب: «ثُمَّ يَرمِ بِه بَريئاً». والرَّميُ من ر-م-ي، والجِذرُ ما يُحتَوى في الكَفِّ جارِياً ثُمَّ يُطلَقُ إلى غايَتِه، والباءُ في «بِه» تُلصِقُ الفِعلَ بِما يُرمى، والمَرميُّ «بَريئاً»، وقد استَعمَلَ الكِتابُ هذا الفِعلَ لِإلقاءِ التُّهمةِ على الغَير: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾. والضَّميرُ في «بِه» مُفرَدٌ بَعدَ اسمَينِ بَينَهُما «أو»، ويُرَدُّ إلى الإثمِ لِأنَّه أقرَبُ المَذكورَين، أو إلى أحَدِهِما كائناً ما كان، لِأنَّ «أو» تَجعَلُ المَكسوبَ واحِداً مِنهُما، أو إلى الكَسبِ الذي دَلَّ عَلَيه «يَكسِبْ»، والوُجوهُ الثَّلاثةُ تَلتَقي في أنَّ ما يُرمى بِه هو المَكسوبُ نَفسُه.

والبَريءُ من ب-ر-أ، والجِذرُ خُروجٌ من الشَّيءِ يَمضي حتّى يَنقَطِعَ ما بَينَهُما، ومنه «بَرِئَ من الدَّين» خَلَصَ مِنه، و«بَرَأَ من المَرَض» زايَلَه. فالآيةُ تُسَمّي المَرميَّ بِاسمٍ يَشهَدُ لَه بِالخُروجِ مِمّا يُرمى بِه، والكَسبُ الذي قَصَرَتهُ الحاديةَ عَشْرةَ بَعدَ المِئةِ على نَفسِ كاسِبِه يُحاوِلُ الرّامي هُنا أن يَنقُلَه إلى ذاتٍ لم تَكسِبْه.

«فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا»: حِملٌ يَعودُ على الرّامي مُضاعَفاً

وجَوابُ الشَّرطِ «فقَدِ احتَمَل»، و«قَد» مَعَ الماضي في جَوابِ الشَّرطِ تُحَقِّقُ الاحتِمال، فهو واقِعٌ بِوُقوعِ الرَّميِ نَفسِه. والاحتِمالُ من ح-م-ل على الافتِعال، والجِذرُ شَيءٌ يُضَمُّ إلى الحامِلِ فيُقِلُّه ويَمضي بِه، و«احتَمَلَ» رَفَعَ الحِملَ على نَفسِه وتَكَلَّفَه، وفي الكِتابِ فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا﴾، أي رَفَعَه السَّيلُ على ظَهرِه ومَضى بِه. فالذي رَمى بِما كَسَبَ عن يَدِه صارَ في لَفظِ الآيةِ رافِعاً حِملاً على ظَهرِه.

والمَحمولُ اثنان: «بُهتاناً»، من ب-ه-ت، والبُهتانُ كَذِبٌ يَبهَتُ مَن يُواجَهُ بِه فيَقِفُ حائراً لا يَجِدُ جَواباً، وهو هُنا ما وُوجِهَ بِه البَريءُ من فِعلٍ لم يَفعَلْه، و«إثماً مُبيناً»، والمُبينُ اسمُ فاعِلٍ من «أبانَ»، إثمٌ يُظهِرُ نَفسَه ويَكشِفُ عن حامِلِه. والآيةُ بَدَأَت بِـ«خَطيئةً أو إثماً»، اسمَينِ بَينَهُما «أو»، وانتَهَت بِـ«بُهتاناً وإثماً مُبيناً»، اسمَينِ بَينَهُما الواو، فما كانَ أحَدَ أمرَينِ صارَ أمرَينِ مَجموعَين، والإثمُ الذي كانَ مَكسوباً صارَ مُبيناً. وقد جاءَ هذا الجَمعُ في العِشرينَ من هذه السّورة: أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾، وجاءَ مَعَ الفِعلِ نَفسِه في قَولِه بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾، والكَسبُ حاضِرٌ في الآيَتَين: هُناكَ أذىً يَقَعُ على مَن لم يَكتَسِب، وهُنا كَسبٌ يُرمى بِه مَن لم يَكسِب.


حَصيلة

تَأتي الآيةُ بِشَرطٍ ثالِثٍ بِـ«مَن» يَأخُذُ فِعلَ الكَسبِ من الآيةِ السّابِقة، ويُعطيه مَفعولَينِ بَينَهُما «أو»: خَطيئةً، من خ-ط-أ، فِعلاً ذَهَبَ عن مَوضِعِه، وإثماً، من أ-ث-م، ثِقلاً يَبقى في صاحِبِه. ثُمَّ يَرمي الكاسِبُ بِما كَسَب، من ر-م-ي، مَن تُسَمّيه الآيةُ بَريئاً، من ب-ر-أ، خارِجاً مِمّا يُرمى بِه، فيُحاوِلُ أن يَنقُلَ ما قَصَرَتهُ الحاديةَ عَشْرةَ بَعدَ المِئةِ على نَفسِه. وجَوابُ ذلك أنَّه قد احتَمَل، من ح-م-ل، فرَفَعَ على ظَهرِه بُهتاناً، من ب-ه-ت، كَذِباً يَبهَتُ البَريء، وإثماً مُبيناً يُظهِرُ نَفسَه. فالآيةُ تَبدَأُ بِأحَدِ أمرَينِ بَينَهُما «أو»، وتَنتَهي بِأمرَينِ تَجمَعُهُما الواو، والذي رَمى بِه الكاسِبُ عادَ عَلَيه مُضاعَفاً.