النساء · الآية 110

﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

«وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ»: فِعلانِ يُسَمّى أحَدُهُما بِأثَرِه والآخَرُ بِمَوقِعِه

بَعدَ آياتٍ تَتَبَّعَت قَوماً بِأعيانِ أفعالِهِم، خِيانةً واستِخفاءً وتَبييتاً، ثُمَّ جَماعةً جادَلَت عَنهُم، تَفتَتِحُ هذه الآيةُ بِـ«مَن»، والشَّرطُ بِها يَعُمُّ كُلَّ عامِل. والعَمَلُ من ع-م-ل، والجِذرُ ما يَخرُجُ من باطِنِ صاحِبِه فيُلاقي الأشياءَ ويَعلَقُ بِها أثَرُه، فيُنسَبُ إلَيه ما عَمِل. والمَعمولُ هُنا «سوءاً»، من س-و-أ، اسمٌ لِما يَسوءُ ويَضُرّ، وقد جاءَ في السّابِعةَ عَشْرةَ مُعَرَّفاً، يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾، وجاءَ هُنا نَكِرةً تَقَعُ على كُلِّ ما يَسوءُ قَلَّ أو كَثُر.

ثُمَّ «أو يَظلِمْ نَفسَه»، والظُّلمُ من ظ-ل-م، والجِذرُ حِجابٌ يُطبِقُ على الشَّيءِ فيَضَعُه في غَيرِ مَوضِعِه، وقد وَقَعَ هُنا على «نَفسَه»، فالفِعلُ مُسَمّىً بِالمَوضِعِ الذي يَنزِلُ فيه: ذاتُ فاعِلِه. وعلى هذا جاءَ في الرّابِعةِ والسِّتّين: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾. و«أو» تَجعَلُ الفِعلَينِ طَريقَينِ يَنتَهيانِ إلى جَوابٍ واحِد، والآيةُ تُسَمّي الأوَّلَ بِما يُحدِثُه من سوء، والثّانيَ بِالنَّفسِ التي يَقَعُ عَلَيها، وتَترُكُ ما بَينَهُما من فَرقٍ على ما يُعطيه الاسمان، وكُلٌّ مِنهُما يَفتَحُ البابَ نَفسَه.

«ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ»: أمرُ الواحِدِ يَصيرُ طَريقاً لِكُلِّ أحَد

ويَأتي بَعدَ الفِعلَينِ «ثُمَّ يَستَغفِرِ الله»، و«ثُمَّ» تَضَعُ بَينَ الفِعلِ وطَلَبِ السِّترِ مُهلةً تَترُكُ الآيةُ مِقدارَها مَفتوحاً. والفِعلُ «يَستَغفِر» هو الذي أُمِرَ بِه المُخاطَبُ في السّادِسةِ بَعدَ المِئة، «واستَغفِرِ الله»، بِلَفظِه وبِتَعَدّيه إلى اسمِ اللهِ نَفسِه، فالطَّريقُ التي رُسِمَت هُناكَ لِلواحِدِ أمراً تُرسَمُ هُنا لِكُلِّ مَن عَمِلَ سوءاً أو ظَلَمَ نَفسَه شَرطاً. والاستِغفارُ من غ-ف-ر طَلَبُ غِطاءٍ يُلقى على ما صَدَرَ من الطّالِبِ فيَستُرُه، وقد صارَ المَستورُ في هذه الآيةِ مُسَمّىً: سوءٌ عُمِلَ، أو نَفسٌ ظُلِمَت. ولَفظُ «مَن» يَسَعُ كُلَّ عامِل، ويَسَعُ مَن وَصَفَتهُمُ الآياتُ قَبلَها.

«يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا»: لِقاءٌ بِما كانَ قائماً

وجَوابُ الشَّرطِ «يَجِدِ الله». والوِجدانُ من و-ج-د، والجِذرُ عَقدٌ يُحيطُ بِالشَّيءِ فيَجتَمِعُ عَلَيه، ومنه «وَجَدَ الضّالّةَ» لَقِيَها بَعدَ طَلَب، فالمُستَغفِرُ يَلقى بَعدَ طَلَبِه ما كانَ قائماً قَبلَه: غَفوراً رَحيماً، وهُما الاسمانِ اللَّذانِ أخبَرَت بِهِما السّادِسةُ بَعدَ المِئةِ مَقرونَينِ بِـ«كانَ». فما قُدِّمَ هُناكَ خَبَراً عن صِفةٍ ثابِتة، يُقَدَّمُ هُنا لِقاءً يَنتَهي إلَيه الطّالِب.

وفي الرّابِعةِ والسِّتّينَ تَرتيبٌ قَريبٌ من هذا، ظُلمُ النَّفسِ ثُمَّ الاستِغفارُ ثُمَّ وِجدانُ اللهِ رَحيماً: فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾. وقد جاءَ الكَلامُ هُناكَ بِـ«لو» يَرسُمُ طَريقاً لم يُسلَك، ومَعَه مَجيءٌ إلى المُخاطَبِ واستِغفارُ الرَّسولِ لَهُم، وجاءَ هُنا بِـ«مَن» شَرطاً مَفتوحاً لِكُلِّ عامِل، وقُرِنَ فيه «رَحيماً» بِـ«غَفوراً» في مَوضِعِ «تَوّاباً».


حَصيلة

تَفتَحُ الآيةُ بِـ«مَن» باباً يَعُمُّ كُلَّ عامِل، بَعدَ آياتٍ تَتَبَّعَت قَوماً بِأعيانِ أفعالِهِم. وتُسَمّي فِعلَينِ بَينَهُما «أو»: عَمَلَ سوءٍ، من ع-م-ل وس-و-أ، فِعلاً يَخرُجُ من صاحِبِه ويَعلَقُ بِه ما يَسوءُ ويَضُرُّ، نَكِرةً تَعُمّ، وظُلمَ النَّفس، من ظ-ل-م، حِجاباً يُطبِقُ على ذاتِ الفاعِلِ فيَضَعُها في غَيرِ مَوضِعِها. ثُمَّ تَجعَلُ الاستِغفارَ، الأمرَ الذي أُعطِيَه المُخاطَبُ في السّادِسةِ بَعدَ المِئة، شَرطاً لِكُلِّ أحَد، وتَترُكُ المُهلةَ بَعدَ «ثُمَّ» مَفتوحة، وتَجعَلُ الجَوابَ لِقاءً من و-ج-د: يَجِدُ الطّالِبُ اللهَ غَفوراً رَحيماً، الاسمَينِ اللَّذَينِ ثَبَتا بِـ«كانَ» في السّادِسةِ بَعدَ المِئة، على تَرتيبٍ يَقرُبُ من تَرتيبِ الرّابِعةِ والسِّتّين، وقد صارَ هُنا شَرطاً مَفتوحاً.