النساء · الآية 156

﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا

«وَبِكُفْرِهِمْ»: باءٌ تُعادُ فتَستَأنِفُ العَدّ

آيةٌ لا فِعلَ فيها، مَصدَرانِ يُعطَفانِ بِالواوِ على ما عُدَّ في الآيةِ قَبلَها، فهي حَلقةٌ من السِّلسِلةِ التي فَتَحَتها «فَبِما نَقضِهِم». وأُعيدَتِ الباءُ في «وبِكُفرِهِم» بَعدَ أن جاءَ بَينَ السِّلسِلةِ وتَتِمَّتِها قَولُه «بَل طَبَعَ اللهُ عَلَيها بِكُفرِهِم فلا يُؤمِنونَ إلّا قَليلاً»، فالباءُ المُعادةُ تَستَأنِفُ العَدَّ بَعدَ هذا الفاصِل. ويَحتَمِلُ التَّركيبُ أن يَكونَ «وبِكُفرِهِم» مَعطوفاً على «فَبِما نَقضِهِم» في أوَّلِ السِّلسِلة، وأن يَكونَ مَعطوفاً على «بِكُفرِهِم» الذي قَبلَه مُباشَرةً، فيَدخُلَ في عِلّةِ الطَّبع.

والكُفرُ من ك-ف-ر سِترٌ يَحجُبُ ما تَحتَه ويَدومُ عَلَيه، وهذا ثالِثُ مَجيئِه في الآيَتَين: «وكُفرِهِم بِآياتِ الله» بِمُتَعَلَّقٍ مُسَمّى، و«بِكُفرِهِم» عِلّةً لِلطَّبع، وهُنا «وبِكُفرِهِم» مُطلَقاً بِلا مُتَعَلَّق. ويَحتَمِلُ اللَّفظُ أن يَكونَ هذا السِّترُ هو الأوَّلَ أُعيدَ لِيَتَّصِلَ بِه ما بَعدَه، وأن يَكونَ سِتراً آخَرَ يَقتَرِنُ بِما يَليه من قَولِهِم في مَريَم.

«وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ»: قَولٌ يُحمَلُ على امرَأةٍ مُسَمّاة

والسَّبَبُ الذي يَلي الكُفرَ قَول، والقَولُ من ق-و-ل صَوتٌ يُطلَقُ من الفَمِ ويَبقى مَنسوباً إلى قائلِه، والإضافةُ في «قَولِهِم» تُثبِتُ هذه النِّسبة، فالكَلامُ الذي خَرَجَ مِنهُم مَحسوبٌ عَلَيهِم في سِلسِلةِ الأسباب. وهو ثاني قَولٍ يُعَدُّ لَهُم فيها بَعدَ «قُلوبُنا غُلف»، وقد حُكِيَ الأوَّلُ بِلَفظِه، ووُصِفَ الثّاني بِالاسمِ الذي سَمّاه بِه الكِتاب.

و«على» تَجعَلُ القَولَ واقِعاً على مَريَمَ مَحمولاً عَلَيها، ومن هذا الاستِعمالِ في الكِتابِ «القَولُ على اللهِ» لِما يُنسَبُ إلَيه باطِلاً: وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. و«مَريَمُ» اسمٌ يَدخُلُ هذه السّورةَ هُنا أوَّلَ مَرّة، ويَعودُ في الآيةِ التّالِيةِ مُضافاً إلَيه ابنُها: الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾.

«بُهْتَانًا عَظِيمًا»: قَولٌ يُسَمّى بِأثَرِه فيمَن يُرمى بِه

ثُمَّ يُسَمّى القَول: «بُهتاناً عَظيماً». والبُهتانُ من ب-ه-ت رَميٌ بِالباطِلِ يَنقَطِعُ عِندَه كَلامُ المَرمِيّ، فيَنحَبِسُ عن الرَّدِّ ولا يَجِدُ ما يَقول. وقد جاءَ البُهتانُ في هذه السّورةِ ثَلاثَ مَرّات: في الآيةِ العِشرين، وفي الثّانِيةَ عَشْرةَ بَعدَ المِئةِ، مَقروناً فيهِما بِـ«إثماً مُبيناً»، وهُنا مَنعوتاً بِـ«عَظيماً» وَحدَه. وفي الثّانِيةَ عَشْرةَ بَعدَ المِئةِ يَكونُ البُهتانُ رَمياً لِلبَريءِ بِما لم يَكسِبْه: ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا﴾، فتَسمِيةُ القَولِ بُهتاناً حُكمٌ بِبُطلانِه، وبِأنَّ مَريَمَ بَريئةٌ مِمّا رُمِيَت بِه.

و«عَظيماً» من ع-ظ-م، ما التَحَمَ فكَبُرَ جِرمُه وثَقُل، فالبُهتانُ هُنا كَبيرُ الجِرمِ ثَقيلُ الوَقعِ على مَن حُمِلَ عَلَيها. و«بُهتاناً» مَنصوب، ويَحتَمِلُ أن يَكونَ مَفعولاً لِلمَصدَرِ «قَولِهِم»، كما يُقالُ «قالَ كَذِباً»، وأن يَكونَ مَصدَراً يُبَيِّنُ نَوعَ القَول: قَولاً هو بُهتان. ويَقَعُ هذا القَولُ في السِّلسِلةِ بَينَ الكُفرِ وقَولٍ آخَرَ تَعُدُّه الآيةُ التّالِيةُ عن ابنِها.


حَصيلة

الآيةُ حَلقةٌ في سِلسِلةِ الأسبابِ التي فَتَحَتها «فَبِما نَقضِهِم»، لا فِعلَ فيها، وتُعادُ فيها الباءُ بَعدَ فاصِلِ الطَّبعِ فتَستَأنِفُ العَدّ، ويَتَّسِعُ عَطفُها لِأوَّلِ السِّلسِلةِ ولِعِلّةِ الطَّبعِ قَبلَها. وفيها سَبَبان: كُفرٌ من ك-ف-ر يَأتي هُنا مُطلَقاً بَعدَ أن جاءَ مَرّةً على «آياتِ الله» ومَرّةً عِلّةً لِلطَّبع، وقَولٌ من ق-و-ل يَبقى مَنسوباً إلى أصحابِه، وَقَعَ على مَريَمَ بِـ«على»، وسَمَّته الآيةُ بُهتاناً من ب-ه-ت، رَمياً يَحبِسُ المَرمِيَّ عن الرَّدّ، وعَظيماً من ع-ظ-م، ثَقيلَ الجِرم. وفي الآيةِ الثّانِيةَ عَشْرةَ بَعدَ المِئةِ يَكونُ البُهتانُ رَمياً لِلبَريءِ بِما لم يَكسِب، فتَسمِيةُ القَولِ بِه حُكمٌ بِبُطلانِه وبِبَراءةِ مَن رُمِيَت بِه، واسمُها الذي يَدخُلُ السّورةَ هُنا يَعودُ في الآيةِ التّالِيةِ مُضافاً إلَيه ابنُها.