النساء · الآية 155

﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ۚ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ۚ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا

«فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ»: سِلسِلةُ أسبابٍ يَتَأخَّرُ جَوابُها

تَبدَأُ الآيةُ بِالفاءِ والباءِ و«ما»: الفاءُ تَصِلُها بِما قَبلَها، والباءُ لِلسَّبَب، و«ما» بَعدَها تُؤَكِّدُ السَّبَبيّةَ ولا تُغَيِّرُ عَمَلَ الباء، فـ«نَقضِهِم» مَجرورٌ بِها، كما جُرَّ ما بَعدَ «ما» في قَولِه فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ﴾، ويَحتَمِلُ اللَّفظُ أن تَكونَ «ما» اسماً نَكِرةً أُبدِلَ مِنه «نَقضِهِم». والنَّقضُ من ن-ق-ض حَلُّ ما عُقِدَ وأُحكِمَ في باطِنِه، ومنه نَقضُ الحَبلِ حَلُّ فَتلِه. وأوَّلُ الأسبابِ نَقضُهُم مِيثاقَهُم، والآيةُ قَبلَها خُتِمَت بِمِيثاقٍ غَليظٍ يَعسُرُ قَطعُه، فيَقَعُ النَّقضُ على ما نُعِتَ بِالغِلَظ، حَلّاً يَفُكُّ ما فُتِلَ وتَراكَب.

و«نَقضِهِم» مَصدَرٌ يَعمَلُ عَمَلَ فِعلِه: فاعِلُه ضَميرُهُم، ومَفعولُه «مِيثاقَهُم»، ويُعطَفُ عَلَيه ثَلاثةُ مَصادِرَ مِثلُه: كُفرُهُم، وقَتلُهُم، وقَولُهُم، ثُمَّ تَزيدُ الآيةُ السّادِسةُ والخَمسونَ بَعدَ المِئةِ «وبِكُفرِهِم وقَولِهِم»، والسّابِعةُ والخَمسونَ بَعدَ المِئةِ «وقَولِهِم إنّا قَتَلنا». فالسِّلسِلةُ تَطولُ وجَوابُها مُؤَخَّر، والذي تَتَعَلَّقُ بِه الباءُ يَحتَمِلُ ثَلاثةَ أوجُه: أن يَكونَ جَواباً مَتروكاً يُفهَمُ من المَقام، وقد جاءَ الجَوابُ مَلفوظاً بَعدَ هذا المَطلَعِ نَفسِه في المائدة: فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾، وأن يَكونَ «حَرَّمنا» في الآيةِ السِّتّينَ بَعدَ المِئة، ويَكونَ فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ إعادةً لِلسَّبَبِ بَعدَ طولِه، وأن يَكونَ ما يَدُلُّ عَلَيه «طَبَعَ اللهُ عَلَيها»، و«بَل» هُناكَ تُجيبُ قَولَهُم «قُلوبُنا غُلف» فتَشُدُّ ما بَعدَها إلى ذلك القَول.

«وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ»: غِطاءٌ على العَلامة، وقَطعٌ لِحامِلِ النَّبَإ

ثُمَّ يُعطَفُ السَّبَبُ الثّاني: «وكُفرِهِم بِآياتِ الله»، والكُفرُ من ك-ف-ر غِطاءٌ يُلقى على ما شَأنُه أن يَظهَر، والآياتُ عَلاماتٌ تَدُلُّ على ما وَراءَها، فالغِطاءُ يَقَعُ على ما جُعِلَ لِلدَّلالة. ثُمَّ الثّالِث: «وقَتلِهِمُ الأنبِياءَ بِغَيرِ حَقّ»، والقَتلُ من ق-ت-ل قَطعٌ يَبلُغُ تَمامَه فيَفصِلُ الحَيَّ عن حَياتِه، والأنبِياءُ جَمعُ نَبِيّ، من ن-ب-أ، حامِلِ النَّبَإ، والنَّبَأُ خَبَرٌ يُحبَسُ في الباطِنِ ثُمَّ يُطلَقُ فيُسمَع. فالسَّبَبانِ يَقَعانِ على ما يَصِلُ النّاسَ بِالعِلم: عَلامةٌ تُغَطّى، وحامِلُ خَبَرٍ يُقطَع.

و«بِغَيرِ حَقٍّ» وَصفٌ لِلقَتل، والحَقُّ من ح-ق-ق ما ثَبَتَ في مَقَرِّه فلا يُدفَع، ومَجيئُه نَكِرةً بَعدَ «غَير» يَنفي كُلَّ حَقٍّ يُقامُ عَلَيه القَتل، فالوَصفُ يَكشِفُ حَقيقةَ الفِعلِ ولا يَقتَطِعُ من قَتلِ الأنبِياءِ قَتلاً بِحَقّ. وقد جَمَعَ الكِتابُ هذَينِ السَّبَبَينِ في البَقَرة: ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾، وجَمَعَهُما في آلِ عِمرانَ مَرَّتَين، وجاءَ فيها «وقَتلَهُمُ الأنبِياءَ بِغَيرِ حَقٍّ» مَنصوباً بَعدَ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾، فالقَتلُ هُناكَ يُعطَفُ على قَولِهِم، وهُنا يُعطَفُ عَلَيه قَولُهُم.

«وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ۚ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ»: غِلافٌ يُدَّعى، وطَبعٌ تُسَمّى عِلَّتُه

والسَّبَبُ الرّابِعُ قَولٌ يُحكى بِلَفظِ أصحابِه: «قُلوبُنا غُلف»، جُملةٌ اسمِيّةٌ تَصِفُ حالاً ثابِتة. والقُلوبُ من ق-ل-ب، باطِنٌ مَعقودٌ تَتَقَلَّبُ فيه الأحوال، و«غُلفٌ» من غ-ل-ف، والغِلافُ غِطاءٌ لاصِقٌ يَحوطُ الشَّيءَ ويَعزِلُه عمّا حَولَه كغِلافِ السَّيف. ويَحتَمِلُ اللَّفظُ وَجهَين: أن يَكونَ «غُلفٌ» جَمعَ أغلَف، وهو ما جُعِلَ في غِلاف، فالقُلوبُ مَحجوبةٌ عمّا يُقالُ لَها، وأن يَكونَ جَمعَ غِلافٍ خُفِّفَت ضَمّةُ لامِه، فالقُلوبُ أوعِيةٌ مُكتَفِيةٌ بِما فيها. وفي الوَجهَينِ يَصِفُ القائلونَ قُلوبَهُم بِأنَّها مُغلَقةٌ على ما فيها، صِفةً قائمةً فيها. وقد جاءَ هذا القَولُ بِلَفظِه في البَقَرة: وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾.

ثُمَّ تَنصَرِفُ «بَل» عن قَولِهِم إلى ما تُثبِتُه الآية: «طَبَعَ اللهُ عَلَيها بِكُفرِهِم»، والضَّميرُ في «عَلَيها» يَعودُ على القُلوبِ التي وَصَفوها. والطَّبعُ من ط-ب-ع ضَغطٌ يُطبِقُ على الشَّيءِ حتّى يَبقى فيه شَكلُ ما ضُغِطَ بِه، ومنه «الطّابَع» الخاتَمُ يُختَمُ بِه. فالآيةُ تَضَعُ مَكانَ الغِلافِ الذي ادَّعَوه طَبعاً أطبَقَه اللهُ على القُلوبِ نَفسِها، وتُسَمّي عِلَّتَه بِالباء: «بِكُفرِهِم». فتَجتَمِعُ في الآيةِ ثَلاثةُ ألفاظٍ من بابِ الإغلاق: غِلافٌ في قَولِهِم، وكُفرٌ، وهو سَترٌ، في فِعلِهِم، وطَبعٌ أُطبِقَ بِسَبَبِ كُفرِهِم، فالحالُ التي جَعَلوها صِفةً قائمةً في قُلوبِهِم تَصيرُ في لَفظِ الآيةِ أثَراً لِفِعلِهِم. وفي البَقَرةِ أُجيبَ القَولُ نَفسُه بِـبَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾، وأُجيبَ هُنا بِطَبعٍ يَقَعُ على القُلوبِ التي ذَكَروها.

«فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا»: ثِقةٌ قَليلةٌ بَعدَ الطَّبع

وتَأتي الفاءُ بِما يَتَرَتَّبُ على الطَّبع: «فلا يُؤمِنونَ إلّا قَليلاً». والإيمانُ من أ-م-ن أمانٌ يَسكُنُ في الدّاخِلِ ثُمَّ يُبذَلُ ثِقةً لِلغَير، و«قَليلاً» من ق-ل-ل مِقدارٌ مَحصورٌ لا يَفيض، ويَحتَمِلُ اللَّفظُ أن يَكونَ القَليلُ قَدراً يَسيراً من الثِّقة، وأن يَكونَ عَدَداً قَليلاً مِنهُم يُعطونَها. وبِهذه العِبارةِ خُتِمَتِ الآيةُ السّادِسةُ والأربَعونَ من هذه السّورة: وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، وفيها بُعدٌ من ل-ع-ن سَبَبُه الكُفر، وهُنا طَبعٌ سَبَبُه الكُفر، والثِّقةُ القَليلةُ عاقِبةُ الأمرَينِ في الآيَتَين.


حَصيلة

تَفتَحُ الآيةُ سِلسِلةَ أسبابٍ بِفاءٍ وباءٍ و«ما» تُؤَكِّد، وتَعُدُّ فيها أربَعة: نَقضاً من ن-ق-ض يَحُلُّ المِيثاقَ الذي نُعِتَ قَبلَها بِالغِلَظ، وكُفراً من ك-ف-ر يُغَطّي الآياتِ التي جُعِلَت لِلدَّلالة، وقَتلاً من ق-ت-ل يَقَعُ على حامِلي النَّبَإ بِغَيرِ حَقٍّ يُقامُ عَلَيه، وقَولاً يَصِفُ القُلوبَ بِأنَّها غُلف. ويَتَأخَّرُ جَوابُ السِّلسِلة، فيَحتَمِلُ أن يَكونَ مَتروكاً يُفهَمُ من المَقام، أو «حَرَّمنا» في الآيةِ السِّتّينَ بَعدَ المِئة، أو ما دَلَّ عَلَيه الطَّبع. وتَرُدُّ «بَل» قَولَهُم إلى ما تُثبِتُه الآية: الغِلافُ الذي وَصَفوه صِفةً قائمةً طَبعٌ من ط-ب-ع أطبَقَه اللهُ على قُلوبِهِم بِكُفرِهِم، فتَقِلُّ الثِّقةُ فيهِم قَدراً أو عَدَداً، كما قَلَّت في الآيةِ السّادِسةِ والأربَعينَ بِبُعدٍ سَبَبُه الكُفرُ نَفسُه.