النساء · الآية 25

﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ۚ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم ۚ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ۚ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ۚ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ ۚ وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ۚ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم ۚ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ۚ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ۚ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ ۚ وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ

«وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ»: سَعةٌ لا يَبلُغُ امتِدادُها

تَصِلُ الآيةُ ما قَبلَها بِحالِ مَن قَصُرَت سَعَتُه عن الطَّريقِ الذي رَسَمَه: هُناكَ «أن تَبتَغوا بِأموالِكُم»، وهُنا «ومَن لم يَستَطِعْ مِنكُم طَولاً». والطَّولُ من ط-و-ل، امتِدادٌ مُتَّصِلٌ يَبلُغُ البَعيد، ومنه «الطُّولُ» في قَولِه وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾، و«الطَّوْلُ» السَّعةُ التي تَمُدُّ صاحِبَها إلى ما لا يَبلُغُه غَيرُه. فالآيةُ تَقيسُ القُدرةَ بِالامتِداد: مَن لم تَمتَدَّ سَعَتُه إلى «أن يَنكِحَ المُحصَناتِ المُؤمِنات» فُتِحَ لَه بابٌ أقرَبُ إلَيه: «فمِن ما مَلَكَت أيمانُكُم من فَتَياتِكُمُ المُؤمِنات».

والمُحصَناتُ في هذه الآيةِ يُطلَبُ نِكاحُهُنّ، فهُنَّ غَيرُ اللّاتي عُطِفنَ على ما حُرِّمَ في الآيةِ السّابِقة، وقد جَعَلَتهُنَّ الآيةُ في مُقابَلةِ «ما مَلَكَت أيمانُكُم»، فالحِصنُ في هذا المَوضِعِ حِصنٌ يَكونُ لِلمَرأةِ قَبلَ أن تُنكَح، ويُقابَلُ بِه ما مَلَكَتِ الأيمان. ويَجمَعُ الطَّرَفَينِ وَصفٌ واحِد، «المُؤمِنات»، والإيمانُ من أ-م-ن، أمنٌ يَجِدُه المَرءُ في نَفسِه ويَبُثُّه فيمَن حَولَه، وتَكرارُه في الطَّرَفَينِ يَجعَلُ الفَرقَ بَينَهُما في الحِصن، وفي السَّعةِ التي يَحتاجُها النِّكاح، ويُبقي الإيمانَ مُشتَرَكاً بَينَهُما.

«مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ۚ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم ۚ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ»: اسمُ الشَّباب، وقُربٌ يَطوي المَسافة

وسَمّى النَّصُّ هؤلاءِ النِّساءَ «فَتَياتِكُم»، والفَتاةُ من ف-ت-ي، الشّابّةُ في غَضاضةِ أوَّلِ عُمرِها، والفَتى مِثلُها في الرِّجال، والجِذرُ يَدورُ على شَيءٍ انفَلَتَ حَديثاً من غِلافِه فهو طَرِيٌّ مُمتَدّ. فالصِّنفُ الذي تُسَمّيه العِبارةُ بِما تَقبِضُ عَلَيه اليَمينُ تُبَيِّنُه الآيةُ بِاسمِ الشَّباب، وتُضيفُه إلى المُخاطَبينَ بِضَميرِهِم: «فَتَياتِكُم»، وتَصِفُه بِالإيمانِ كما وَصَفَتِ المُحصَنات.

ثُمَّ اعتَرَضَت بَينَ الوَصفِ والأمرِ جُملَتانِ قَصيرَتان: «واللهُ أعلَمُ بِإيمانِكُم»، و«بَعضُكُم من بَعض». فالأولى تَرُدُّ العِلمَ بِالإيمانِ إلى الله، وتَجعَلُه أعلَمَ بِه من المُخاطَبينَ أنفُسِهِم، فمَراتِبُ الإيمانِ في عِلمِه، والثّانيةُ تَطوي المَسافةَ بَينَ الطَّرَفَين: «بَعضُكُم من بَعض»، و«مِن» هُنا مَخرَجٌ واحِدٌ يَخرُجُ مِنه الجَميع. وقد قالَتِ السّورةُ في الأزواجِ قَبلَ آياتٍ: وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ﴾، فهي تَصِلُ «بَعضَكُم» بِـ«بَعضٍ» مَرّةً بِـ«إلى» حينَ يَبلُغُ أحَدُهُما الآخَر، ومَرّةً بِـ«مِن» حينَ يَخرُجانِ من أصلٍ واحِد.

«فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ»: أهلٌ يُستَأذَنون، وأُجورٌ لِصاحِباتِها

ثُمَّ جاءَ الأمرُ بِالفاء: «فانكِحوهُنَّ بِإذنِ أهلِهِنّ». والإذنُ من أ-ذ-ن، والجِذرُ جِذرُ الأُذُن، فالإذنُ سَماعٌ يُفضي إلى إباحة، و«أهلُهُنّ» من أ-ه-ل، مَن يَنتَسِبُ إلَيهِمُ المَرءُ ويَأوي إلى بَيتِهِم. فالآيةُ تُعطي هؤلاءِ الفَتَياتِ أهلاً يُضَفنَ إلَيهِم، وتَجعَلُ نِكاحَهُنَّ مَعقوداً بِإذنِ أولئكَ الأهل، والباءُ في «بِإذنِ» تَجعَلُ الإذنَ مُصاحِباً لِلنِّكاحِ مُلازِماً لَه.

ثُمَّ قالَت: «وآتوهُنَّ أُجورَهُنَّ بِالمَعروف»، فأعادَت ما قالَتهُ في الآيةِ السّابِقة: «فآتوهُنَّ أُجورَهُنّ»، ونَسَبَتِ الأُجورَ إلى الفَتَياتِ بِالضَّميرِ نَفسِه، وأوقَعَتِ الإيتاءَ عَلَيهِنَّ: «آتوهُنّ». وزادَت هُنا «بِالمَعروف»، من ع-ر-ف، ما تَعرِفُه النُّفوسُ فتَسكُنُ إلَيه، فمِقدارُ الأجرِ مَردودٌ إلى ما هو مَعروفٌ بَينَ النّاس.

«مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ»: حِصنٌ يُفارِقُ العَلَنَ والسِّرّ

ثُمَّ وُصِفَتِ الفَتَياتُ بِما يُقابِلُ وَصفَ الرِّجالِ في الآيةِ السّابِقة، والجِذرُ هُنا اسمُ مَفعول: «مُحصَناتٍ غَيرَ مُسافِحات»، وزيدَ هُنا وَصفٌ ثالِث: «ولا مُتَّخِذاتِ أخدان». والأخدانُ جَمعُ خِدن، من خ-د-ن، الصّاحِبُ المُلازِمُ في السِّرّ، و«مُتَّخِذات» من الأخذِ على الافتِعال، أي آخِذاتٍ لِأنفُسِهِنّ. فالآيةُ تَضَعُ الحِصنَ بَينَ طَرَفَين: سَفحٌ يَجري في العَراء، وخِدنٌ يُتَّخَذُ في الخَفاء، والحِصنُ يُفارِقُ العَلَنَ المُرسَلَ والسِّرَّ المُستَتِرَ مَعاً.

ثُمَّ قالَت: «فإذا أُحصِنَّ»، فجاءَ الجِذرُ ح-ص-ن فِعلاً مَبنِيّاً لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه بَعدَ الأمرِ بِنِكاحِهِنّ، فأقرَبُ ما يُحمَلُ عَلَيه أنَّ النِّكاحَ هو الذي أدخَلَهُنَّ الحِصن. ثُمَّ «فإن أتَينَ بِفاحِشة»، والفاحِشةُ من ف-ح-ش، فِعلٌ يُجاوِزُ حَدَّه ويَتَفَشّى، وقد جاءَ الإتيانُ بِها في السّورةِ من قَبل: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ﴾. وجَعَلَتِ الآيةُ ما عَلَيهِنَّ عِندَئذٍ «نِصفَ ما على المُحصَناتِ من العَذاب»، والنِّصفُ من ن-ص-ف، ما يَبلُغُ وَسَطَ الشَّيءِ فيُقسَمُ عِندَه، و«المُحصَنات» يَعودُ بِها آخِرُ الآيةِ إلى أوَّلِها، إلى مَن قَصُرَتِ السَّعةُ عن نِكاحِهِنّ. فالآيةُ تُعطي النِّسبةَ وتَكِلُ الأصلَ إلى ما على أولئك، وحِملُ مَن أُحصِنَت بِالنِّكاحِ من الفَتَياتِ شَطرُ حِملِ المُحصَنات.

«ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ ۚ وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَّكُمْ»: بابٌ مَفتوحٌ، وإمساكٌ خَيرٌ مِنه

ثُمَّ قالَت: «ذلِكَ لِمَن خَشِيَ العَنَتَ مِنكُم»، و«ذلِكَ» يَعودُ إلى ما فُتِحَ من نِكاحِ الفَتَيات، فالبابُ لِمَن اجتَمَعَت فيه قِلّةُ السَّعةِ وخَشيةُ العَنَت. والعَنَتُ من ع-ن-ت، ومنه «عَنِتَ العَظمُ» إذا جُبِرَ ثُمَّ انكَسَر، فهو مَشَقّةٌ تَكسِرُ ما التَأَم، وقد جاءَ الجِذرُ في البَقَرةِ في شَأنِ اليَتامى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾. والخَشيةُ خَوفٌ يَصحَبُه عِلمٌ بِثِقَلِ المَخوف، فالمَقصودُ مَن عَرَفَ من نَفسِه أنَّ الإمساكَ يَكسِرُه.

ثُمَّ قالَت: «وأن تَصبِروا خَيرٌ لَكُم». والصَّبرُ من ص-ب-ر، حَبسُ النَّفسِ وإمساكُها على ما تَكرَه، ومنه «صَبَرَ الدّابّةَ» إذا حَبَسَها. فالآيةُ تَفتَحُ البابَ لِمَن خَشِيَ العَنَت، وتَضَعُ إلى جانِبِه إمساكاً تُسَمّيه «خَيراً لَكُم»، فيَبقى الاختيارُ بَينَ مَفتوحٍ وما هو خَيرٌ مِنه. وخُتِمَت بِـ«واللهُ غَفورٌ رَحيم»، وقد خُتِمَت قائمةُ التَّحريمِ قَبلَ آيَتَينِ بِالاسمَينِ نَفسَيهِما مَعَ «إنَّ» و«كانَ»، وجاءا هُنا خَبَراً مُرسَلاً يَلي البابَ المَفتوحَ والإمساكَ الذي هو خَيرٌ مِنه.


حَصيلة

تَصِلُ الآيةُ مَن قَصُرَ طَولُه، والطَّولُ من ط-و-ل امتِدادُ السَّعة، بِبابٍ أقرَبَ من نِكاحِ المُحصَناتِ المُؤمِنات: فَتَياتٌ مُؤمِناتٌ مِمّا مَلَكَتِ الأيمان، تُسَمّيهِنَّ بِاسمِ الشَّبابِ من ف-ت-ي وتُضيفُهُنَّ إلى المُخاطَبين، وتَعتَرِضُ قَبلَ الأمرِ بِنِكاحِهِنَّ بِأنَّ اللهَ أعلَمُ بِالإيمانِ وبِأنَّ بَعضَهُم من بَعض. ثُمَّ تَجعَلُ لَهُنَّ أهلاً يُستَأذَنون، وأُجوراً مُضافةً إلَيهِنَّ تُؤتى بِالمَعروف، وتَصِفُهُنَّ بِالحِصنِ الذي يُفارِقُ السَّفحَ في العَلَنِ والخِدنَ في السِّرّ. فإذا أُحصِنَّ بِالنِّكاحِ فحِملُهُنَّ إن أتَينَ بِفاحِشةٍ نِصفُ ما على المُحصَنات. ثُمَّ تَجعَلُ البابَ لِمَن خَشِيَ العَنَت، والعَنَتُ من ع-ن-ت كَسرٌ يُصيبُ ما التَأَم، وتَجعَلُ الصَّبرَ خَيراً مِنه، وتَختِمُ بِالغَفورِ الرَّحيم.