النساء · الآية 50

﴿انظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۖ وَكَفَىٰ بِهِ إِثْمًا مُّبِينًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

انظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۖ وَكَفَىٰ بِهِ إِثْمًا مُّبِينًا

«انظُرْ كَيْفَ»: أمرٌ بِالنَّظَرِ إلى هَيئةِ الفِعل

بَعدَ «أَلَمْ تَرَ» في الرّابِعةِ والأربَعينَ والتّاسِعةِ والأربَعين، يَأتي البَصَرُ هُنا أمراً صَريحاً: «انظُرْ»، والخِطابُ لِلواحِدِ الذي عُرِضَت عَلَيه المَشاهِدُ قَبلُ. والنَّظَرُ من ن-ظ-ر، إدراكٌ يَخرُجُ من الباطِنِ فيَقَعُ على الشَّيءِ ويَمتَدُّ عَلَيه، وقد وَقَعَ هُنا على «كَيف»، فالمَطلوبُ النَّظَرُ في هَيئةِ الافتِراءِ وطَريقَتِه. وتَعودُ الواوُ في «يَفتَرون» على قَومٍ مِمَّن عُرِضوا في المَقطَع، أقرَبُهُم ذِكراً الَّذينَ يُزَكّونَ أنفُسَهُم في الآيةِ قَبلَها، والنَّظَرُ الذي بَدَأَ سُؤالاً صارَ أمراً.

وقد جاءَ الأمرُ نَفسُه في الكِتابِ في قَومٍ كَذَبوا على أنفُسِهِم: انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ﴾، فالكَذِبُ هُناكَ يَقَعُ على أصحابِه، وهو هُنا يُحمَلُ «على الله». والآيةُ تَضَعُ هذا المَشهَدَ بَعدَ مَشهَدِ المُزَكّينَ أنفُسَهُم، فيَتَجاوَرُ أمامَ العَينِ مَن يَشهَدُ لِنَفسِه ومَن يَحمِلُ القَولَ على الله.

«يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ»: قَولٌ مُفَصَّلٌ يُحمَلُ على الله

والافتِراءُ من ف-ر-ي، قَطعٌ يَمضي في المادّةِ فيُفَصِّلُ مِنها شَكلاً، كما يَفري الصّانِعُ الأديمَ لِيَصنَعَ مِنه شَيئاً، و«يَفتَرون» على الافتِعالِ صَنعةٌ يَصنَعُها الفاعِلُ لِنَفسِه، ومَجيئُه مُضارِعاً يَجعَلُها عادةً قائمة. والمَصنوعُ «الكَذِب»، من ك-ذ-ب، كَلامٌ مَقطوعٌ عن حَقيقَتِه يُلصَقُ بِغَيرِ مَوضِعِه. و«على الله» تَجعَلُ هذا الكَلامَ مَحمولاً عَلَيه مَنسوباً إلَيه، فالمُفتَري يُفَصِّلُ القَولَ بِيَدِه ثُمَّ يُلصِقُه بِاسمِ الله.

وقد جاءَ الفِعلُ نَفسُه في الثّامِنةِ والأربَعين: «فقَدِ افتَرى إثماً عَظيماً»، فالآيَتانِ تَحُفّانِ التّاسِعةَ والأربَعين: قَبلَها مَن يُشرِكُ يَصنَعُ حِملاً عَظيماً، وبَعدَها قَومٌ يَصنَعونَ الكَذِبَ على الله، وبَينَهُما قَومٌ يُزَكّونَ أنفُسَهُم. والجِذرانِ ف-ر-ي وأ-ث-م يَجتَمِعانِ في الآيَتَين، فيَتَرَدَّدُ في المَقطَعِ الافتِراءُ والحِملُ مَعنىً واحِداً: ما يَصنَعُه المُفتَري يَحمِلُه.

«وَكَفَىٰ بِهِ إِثْمًا مُّبِينًا»: حِملٌ يَكفي وَحدَه ويُظهِرُ نَفسَه

ثُمَّ «وكَفى بِه إثماً مُبيناً». و«كَفى» من ك-ف-ي، سَدُّ الحاجةِ حتّى لا يُطلَبَ مَعَه غَيرُه، والهاءُ في «بِه» تَعودُ على الافتِراءِ أو على الكَذِبِ المُفتَرى، والمَعنى فيهِما واحِد: هذا الصَّنيعُ وَحدَه يَكفي حِملاً، ولا يُحتاجُ مَعَه إلى شَيءٍ يُضافُ لِيَثقُلَ بِه أصحابُه. وقد جاءَ هذا الفِعلُ مَرَّتَينِ في الخامِسةِ والأربَعين: وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَىٰ بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾، فالكِفايةُ في المَقطَعِ كِفايَتان: اللهُ يَكفي المُخاطَبينَ وَليّاً ونَصيراً، والافتِراءُ يَكفي أصحابَه حِملاً ظاهِراً.

والإثمُ من أ-ث-م حِملٌ يَتَراكَمُ في صاحِبِه، و«مُبيناً» اسمُ فاعِلٍ من «أبانَ»، فالحِملُ يُظهِرُ نَفسَه ويُبينُ عن صاحِبِه، ولا يَحتاجُ إلى كاشِف. وقد جاءَ «إثماً مُبيناً» في الكِتابِ في أربَعةِ مَواضِع: هذه الآية، والعِشرونَ والثّانيةَ عَشْرةَ بَعدَ المِئةِ من هذه السّورة، ومَوضِعٌ رابِعٌ خارِجَها، وهو في الثَّلاثةِ الأُخرى مَقرونٌ بِالبُهتان: بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾، وهو هُنا وَحدَه، يَقومُ فيه الافتِراءُ مَقامَ البُهتان.


حَصيلة

تَأمُرُ الآيةُ بِالنَّظَرِ بَعدَ أن سَألَت عَنه مَرَّتَين، وتَسوقُ البَصَرَ إلى «كَيف»: هَيئةِ الافتِراءِ وطَريقَتِه، والواوُ في «يَفتَرون» أقرَبُ ما تَعودُ إلَيه المُزَكّونَ أنفُسَهُم. والافتِراءُ من ف-ر-ي قَطعٌ يُفَصِّلُ شَكلاً مَصنوعاً، والمَصنوعُ هُنا الكَذِب، من ك-ذ-ب، كَلامٌ مَقطوعٌ عن حَقيقَتِه يُلصَقُ «على الله». والفِعلُ نَفسُه جاءَ في الثّامِنةِ والأربَعينَ مَعَ الإثم، فالآيَتانِ تَحُفّانِ مَشهَدَ المُزَكّين، ويَتَرَدَّدُ بَينَهُما الافتِراءُ والحِمل. ثُمَّ تَختِمُ بِالكِفاية: الافتِراءُ وَحدَه يَكفي حِملاً مُبيناً يُظهِرُ نَفسَه بِلا كاشِف، في مُقابِلِ كِفايةِ اللهِ وَليّاً ونَصيراً في الخامِسةِ والأربَعين، والإثمُ المُبينُ يَقِفُ هُنا وَحدَه دونَ البُهتانِ الذي يُقرَنُ بِه في مَواضِعِه الأُخرى.