النساء · الآية 49

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم ۚ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم ۚ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا

«أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم»: قَومٌ يَشهَدونَ لِأنفُسِهِم بِالنَّماء

ويَعودُ البَصَرُ إلى مَشهَدٍ ثانٍ من مَشاهِدِ المَقطَع: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ». وقد عُرِفَ القَومُ في الرّابِعةِ والأربَعينَ بِما أُعطوه، ويُعرَفُ هؤلاءِ بِما يَفعَلونَه بِأنفُسِهِم: «يُزَكّونَ أنفُسَهُم». والتَّزكيةُ من ز-ك-و، مُدَّخَرٌ مُكتَنِزٌ في باطِنِ الشَّيءِ يَمتَدُّ مِنه فيَزيدُ ويَصفو، والتَّضعيفُ في «يُزَكّون» يَنسُبُ هذا النَّماءَ والصَّفاءَ إلى مَن يَقَعُ عَلَيه الفِعل، فقد يَكونُ إنماءً يُصنَع، وقد يَكونُ شَهادةً بِالصَّلاحِ كما يُزَكّى الشّاهِد. وما يَقَعُ عَلَيه الفِعلُ هُنا «أنفُسَهُم»، فالشّاهِدُ والمَشهودُ لَه قَومٌ واحِد: هُمُ الَّذينَ يَشهَدون، وهُمُ الَّذينَ يُشهَدُ لَهُم.

وقد نَهى الكِتابُ عن هذا الفِعلِ في مَوضِعٍ واحِدٍ آخَرَ وذَكَرَ عِلَّتَه: فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ﴾. فالتَّزكيةُ شَهادةٌ تَحتاجُ إلى عِلمٍ بِما في الباطِن، والنَّماءُ الذي يَعنيه الجِذرُ مُكتَنِزٌ في الدّاخِلِ يَراه مَن يَعلَمُ الدّاخِل، فمَن يَشهَدُ لِنَفسِه يَشهَدُ في أمرٍ غَيرُه أعلَمُ بِه.

«بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ»: الفِعلُ نَفسُه وفاعِلُه الله

ثُمَّ تَنعَطِفُ الآيةُ بِـ«بَل» عن فِعلِهِم إلى فِعلِ الله، ويَعودُ الفِعلُ بِلَفظِه، «يُزَكّي»، وفاعِلُه الله، وما يَقَعُ عَلَيه «مَن يَشاء». فالتَّزكيةُ التي يَنسُبونَها إلى أنفُسِهِم هي في الآيةِ فِعلُ الله، يوقِعُه على مَن يَشاء. وقد جاءَتِ العِبارةُ بِلَفظِها في مَوضِعٍ آخَرَ بَعدَ ذِكرِ فَضلِ اللهِ ورَحمَتِه: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ﴾، فالنَّماءُ هُناكَ فَضلٌ من اللهِ ورَحمة، ولولاهُما ما زَكا أحَد.

و«مَن يَشاءُ» تَصِلُ هذه الآيةَ بِسابِقَتِها، فهُناكَ «ويَغفِرُ ما دونَ ذلك لِمَن يَشاء»، وهُنا «يُزَكّي مَن يَشاء»: السِّترُ والنَّماءُ كِلاهُما مَردودٌ إلى المَشيئة. والمُزَكّي نَفسَه يَدَّعي لِنَفسِه ما جَعَلَتْه الآيةُ في مَشيئةِ الله، ويَحكُمُ لِنَفسِه في أمرٍ لم يُجعَلْ إلَيه.

«وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا»: حِسابٌ يَبلُغُ الخَيطَ المَفتول

وتُختَمُ الآيةُ بِـ«ولا يُظلَمونَ فَتيلاً». والفِعلُ مَبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه، وواوُ الجَماعةِ فيه تَحتَمِلُ أن تَعودَ على الَّذينَ يُزَكّونَ أنفُسَهُم، فلا يُنقَصونَ من جَزائهِم شَيئاً وإن رُدَّت دَعواهُم، وأن تَعودَ على مَن يَشاءُ اللهُ تَزكيَتَه، فلا يُحرَمونَ من حَقِّهِم شَيئاً، واللَّفظُ يَتَّسِعُ لِلفَريقَين. والظُّلمُ من ظ-ل-م، حَجبٌ يُمسِكُ الحَقَّ عن صاحِبِه، والفَتيلُ من ف-ت-ل، دَقائقُ تُلَفُّ بَعضُها على بَعضٍ حتّى تَصيرَ خَيطاً، وهو من أدَقِّ ما يُقاسُ بِه.

وقد قاسَتِ السّورةُ نَفيَ الظُّلمِ بِأدَقِّ المَقاديرِ في غَيرِ مَوضِع: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ في الآيةِ الأربَعين، و«فَتيلاً» هُنا وفي السّابِعةِ والسَّبعين، ووَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ في الرّابِعةِ والعِشرينَ بَعدَ المِئة. فالحِسابُ الذي تَرُدُّ إلَيه الآيةُ دَعوى المُزَكّينَ أنفُسَهُم حِسابٌ يَبلُغُ الخَيط: ما يُدَّعى لا يَزيدُ فيه، وما يُرَدُّ من الدَّعوى لا يُنقِصُ مِنه.


حَصيلة

تَعرِضُ الآيةُ مَشهَداً ثانِياً من مَشاهِدِ النَّظَر: قَوماً يُزَكّونَ أنفُسَهُم، والتَّزكيةُ من ز-ك-و نِسبةُ النَّماءِ والصَّفاءِ إلى مَن يَقَعُ عَلَيه الفِعل، فيَصيرُ الشّاهِدُ والمَشهودُ لَه واحِداً، وقد نَهى الكِتابُ عن ذلك في مَوضِعٍ آخَرَ لِأنَّ اللهَ أعلَمُ بِمَنِ اتَّقى. ثُمَّ تَنعَطِفُ بِـ«بَل» إلى الفِعلِ نَفسِه وفاعِلُه الله، يوقِعُه على مَن يَشاء، فتَلتَقي بِسابِقَتِها التي عَقَدَتِ السِّترَ بِالمَشيئةِ نَفسِها. ثُمَّ تَختِمُ بِنَفيِ الظُّلمِ عن قَومٍ يَتَّسِعُ اللَّفظُ فيهِم لِلمُزَكّينَ أنفُسَهُم ولِمَن يُزَكّيهِمُ الله، ومِقدارُه «فَتيلاً»، من ف-ت-ل، خَيطٌ من دَقائقَ مَلفوفة، في سورةٍ قاسَت نَفيَ الظُّلمِ بِالذَّرّةِ والفَتيلِ والنَّقير.