الإسراء · الآية 63

﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُورًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُورًا

«اذْهَبْ»: جَوابٌ لا يُجاوِبُ

سَبَقَ سُؤالٌ ودَعوى ويَمينٌ وطَلَبُ مُهلةٍ في آيةٍ طَويلة، والجَوابُ كَلِمةٌ واحِدة.

ولم يَأتِ «قد أخَّرْتُك»، والطَّلَبُ لم يُرَدَّ بِلَفظِه، ولا نوقِشَتِ الحُجّةُ التي بُنِيَ عَلَيها، ولا رُدَّ عَلَيه في المادّةِ التي احتَجَّ بِها، وأُمِرَ بِالمُضِيّ، فانقَطَعَ الخِطابُ عِندَ حَدِّه.

والذَّهابُ في حُروفِه نَفاذٌ يَمضي في خَلاءٍ لا يَعتَرِضُه شَيءٌ ثُمَّ يَنفَتِحُ عن خُروج، فالكَلِمةُ تُخرِجُه ولا تُناظِرُه، وقد سَألَ مُهلةً فأُمِرَ بِالمُضِيّ، ولم يُجَبْ بِلَفظِ ما سَأل.

«فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ»: الفِعلُ يَنتَقِلُ من يَدِه إلى أيديهِم

وهُنا يَقَعُ أدَقُّ ما في الآية: فالدَّعوى كانَت «لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ»، وهُم فيها مَفعولٌ بِه وهو الفاعِل، والجَوابُ جاءَ بِـ«تَبِعَكَ»، وهُم فيه الفاعِلُ وهو المَفعول.

ولم يُنكَرْ عَلَيه شَيء، ولم يُنقَضْ حَلِفُه، وحُوِّلَ مَوقِعُ الإعرابِ فَقَط، والقَبضُ الذي ادَّعاهُ في الجَوفِ صارَ خُطوةً تُمشى في الظّاهِر، وصاحِبُ الخُطوةِ هو الماشي.

و«مَنْ» شَرطِيّة، فالحُكمُ هُنا مُعَلَّقٌ على وُقوع، وليسَ خَبَراً عن واقِع. و«مِنْهُمْ» لِلتَّبعيض، فلا يُقالُ إنَّهُم كُلُّهُم ولا إنَّهُم قَليل، وقد أُخِذَ العَدَدُ من يَدِ المُدَّعي ووُضِعَ في الشَّرط.

«فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ»: ضَميرٌ واحِدٌ يَضُمُّ التّابِعَ والمَتبوع

ومَحَلُّ النَّظَرِ الكافُ والميمُ في «جَزَاؤُكُمْ»، فقد عُدِلَ إلَيها عن «جَزاؤُهُم» و«جَزاؤُك» وعن ذِكرِ الاثنَينِ مَفروقَين، فجُمِعَ الدّاعي ومَن أجابَه في لَفظٍ واحِد.

والجَزاءُ مَكتوبٌ في المُعجَم: مِقدارٌ يَنفَصِلُ عمّا تَجَمَّعَ من الفِعلِ فيَنفُذُ عائِداً إلى صاحِبِه، وهذه صورة تربط الجزاء بمقدار العمل وصاحبه، ولا تعيّن وحدها كيفية وقوعه. والذي تَزيدُه هذه الآيةُ عَلَيه أنَّ الضَّميرَ واحِدٌ لِفِعلَينِ اثنَين: دُعاءٌ واتِّباع، وقد عادَ عَلَيهِما مَخرَجٌ واحِدٌ لِأنَّهُما التَقَيا في طَريقٍ واحِد.

«جَزَاءً مَّوْفُورًا»: كَلِمةٌ تُغلِقُ ما فُتِحَ في الآيةِ قَبلَها

و«جَزَاءً» مَفعولٌ مُطلَق، يُعادُ فيه لَفظُ الخَبَرِ مَنصوباً فيُثَبَّتُ الحُكمُ ولا يَبقى فيه رَخاوة، والتَّكرارُ هُنا يَقطَعُ احتِمالَ التَّخفيف، ولا يُرادُ بِه الإطالة.

ثُمَّ «مَّوْفُورًا» اسمُ مَفعولٍ من و-ف-ر، أي مَجموعٌ لم يُنقَصْ مِنه شَيء، والوَفرُ ما أُحيطَ بِه فحُفِظَ تامّاً ثُمَّ جَرى مُسترسِلاً، فلا كَيلَ نَقَصَ ولا حافَّةَ حُذِفَت.

وهُنا يَظهَرُ التَّقابُل: فالحالِفُ خَتَمَ يَمينَه بِـ«إِلَّا قَلِيلًا»، وهي ثُلمةٌ صَنَعَها بِيَدِه، والجَوابُ يُختَمُ بِكَلِمةٍ كُلُّ مَعناها أن لا ثُلمةَ فيه، فهي دَعوى مَثقوبةٌ في مُقابَلةِ جَزاءٍ لا يُثقَب.


حَصيلة

تُرَدُّ الآيةُ الطَّويلةُ قَبلَها بِكَلِمةٍ واحِدة، فلم يَأتِ «قد أخَّرْتُك»، ولم تُناقَشِ الحُجّة، وإنَّما أُمِرَ بِالمُضِيِّ بِفِعلٍ حُروفُه نَفاذٌ في خَلاءٍ يَنتَهي إلى خُروج. ثُمَّ يَنتَقِلُ الإعرابُ نَقلةً هي كُلُّ الجَواب: مَن كانوا مَفعولاً بِه في «لَأَحْتَنِكَنَّ» صاروا فاعِلاً في «تَبِعَكَ»، والقَبضُ الذي ادُّعِيَ في الجَوفِ صارَ مَشياً في الظّاهِر. و«مَنْ» شَرطِيّةٌ فلا يُخبَرُ عن وُقوع، و«مِنْهُمْ» تَبعيضٌ يَنزِعُ العَدَدَ من يَدِ المُدَّعي. ثُمَّ يَجمَعُ ضَميرٌ واحِدٌ الدّاعِيَ والمُجيبَ في «جَزَاؤُكُمْ»، والجَزاءُ في المُعجَمِ ما خَرَجَ من العَمَلِ مَقطوعاً على قَدرِه ثُمَّ عادَ إلى عامِلِه، فلَمّا كانَ الطَّريقُ واحِداً كانَ المَخرَجُ واحِداً. ثُمَّ يُنصَبُ المَصدَرُ تَوكيداً ويُنعَتُ بِـ«مَّوْفُورًا»: مَحوطٌ لم يُنقَصْ مِنه شَيء. فالآيةُ التي انتَهَت بِاستِثناءٍ صَنَعَه الحالِفُ في يَمينِه تُقابِلُها آيةٌ تَنتَهي بِنَفيِ كُلِّ استِثناءٍ في الجَزاء، وقد ثَقَبَ هو دَعواه، وأُخبِرَ بِأنَّ ما يَعودُ عَلَيه لا ثَقبَ فيه.