التكوير · الآية 18
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«وَالصُّبْحِ»: حَدٌّ صَلبٌ يَعقُبُ سِتراً
واوٌ أُخرى، ومُقسَمٌ بِه رابِع. وقَبلَه لَيلٌ رَقَّ طَرَفُه، فجاءَ الصُّبحُ مَوصولاً بِه لا مَفصولاً عنه: ما رَقَّ إلى آخِرِه انتَهى إلى هذا.
والجِذرُ ص-ب-ح إطباقٌ صَلبٌ يَتَمَسَّكُ ثُمَّ يَنبَثِقُ عنه احتِواءٌ حَيٌّ حارّ. فالصُّبحُ حَدٌّ يَفصِلُ الضَّوءَ عن الظَّلامِ فَصلاً صَلباً لا يُشتَبَهُ فيه. وشَتّانَ بَينَ هذا وبَينَ لَيلٍ يَنطَوي في لينٍ ولا حافّةَ لَه.
«إِذَا تَنَفَّسَ»: البِناءُ نَفسُه مَرَّتَين
اسمٌ، ثُمَّ «إذا»، ثُمَّ فِعل. هو تَركيبُ الآيةِ التي قَبلَها حَرفاً بِحَرفٍ في الهَيئة. فالقَسَمانِ يَقَعانِ على وَقتَينِ في لَحظَةِ تَحَوُّلِهِما، لا على وَقتَينِ في ثِقَلِهِما.
و«تَنَفَّسَ» على تَفَعَّلَ، وهو بِناءُ التَّدَرُّجِ والتَّكَلُّفِ في الأخذِ شَيئاً بَعدَ شَيء. فالصُّبحُ لا يُصَبُّ دَفعةً واحِدة، بل يُؤخَذُ نَفَساً بَعدَ نَفَس. والحَدُّ الذي وَصَفناهُ صَلباً يُبلَغُ بِأرَقِّ ما يَكون.
«تَنَفَّسَ»: انبِعاثٌ يَنفَتِحُ ويَنسابُ إلى خارِج
ن-ف-س انبِعاثٌ من الباطِنِ يَشُقُّ طَريقَه ثُمَّ يَنسابُ مُمتَدّاً في خارِجِه. ومنه النَّفَس: هَواءٌ يُدفَعُ من الصَّدرِ فيَخرُجُ مُتَّصِلاً. فوَصفُ الصُّبحِ بِهذا الجِذرِ يَجعَلُ الضَّوءَ خارِجاً من داخِلٍ لا واقِعاً عليه من فَوق.
والجِذرُ نَفسُه قد جَرى في السّورةِ قَبلَ هذا مَرَّتَين: وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾، ثُمَّ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ﴾. ثَلاثةُ مَواضِعَ لِن-ف-س في سورةٍ واحِدة، آخِرُها هذا الصُّبح.
وهي في الثَّلاثةِ تَفعَلُ فِعلاً واحِداً: تُخرِجُ ما كانَ في الجَوفِ إلى العَراء. النَّفسُ تُظهِرُ ما أحضَرَته، والصُّبحُ يُظهِرُ ما سَتَرَه اللَّيل. القَسَمُ يَقَعُ على انكِشافٍ صَغيرٍ يُرى كُلَّ يَومٍ لِيُصَدَّقَ بِه انكِشافٌ لا يُرى إلّا مَرّة.
حَصيلة
واوٌ أُخرى تَصِلُ الصُّبحَ بِلَيلٍ رَقَّ طَرَفُه. والجِذرُ ص-ب-ح إطباقٌ صَلبٌ يَنبَثِقُ عنه احتِواءٌ حَيٌّ حارّ، فالصُّبحُ حَدٌّ يَفصِلُ الضَّوءَ عن الظَّلامِ فَصلاً لا يُشتَبَهُ فيه. والتَّركيبُ هو تَركيبُ الآيةِ قَبلَها: اسمٌ ثُمَّ «إذا» ثُمَّ فِعل، فالشَّهادةُ في لَحظةِ التَّحَوُّلِ لا في الثِّقَل. و«تَنَفَّسَ» على تَفَعَّلَ يَجعَلُ بُلوغَ هذا الحَدِّ تَدَرُّجاً نَفَساً بَعدَ نَفَس. والجِذرُ ن-ف-س انبِعاثٌ يَشُقُّ طَريقَه من باطِنٍ ثُمَّ يَنسابُ إلى خارِج، وقد جَرى في السّورةِ في النُّفوسِ التي زُوِّجَت وفي النَّفسِ التي عَلِمَت ما أحضَرَت. فالصُّبحُ والنَّفسُ يَفعَلانِ فِعلاً واحِداً: إخراجُ ما في الجَوفِ إلى العَراء. ويُقسَمُ بِانكِشافٍ يُرى كُلَّ يَومٍ على انكِشافٍ لا يُرى إلّا مَرّة.