النساء · الآية 109

﴿هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا

«هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ»: خِطابٌ يَنتَقِلُ من الواحِدِ إلى الجَماعة

يَنتَقِلُ الخِطابُ في هذه الآيةِ من المُفرَدِ الذي جَرى عَلَيه من الخامِسةِ بَعدَ المِئةِ إلى السّابِعةِ بَعدَ المِئة، في «إلَيكَ» و«لِتَحكُمَ» و«استَغفِرْ» و«لا تُجادِلْ»، إلى جَماعةٍ يُواجِهُها الكَلامُ بِـ«أنتُم». و«ها» لِلتَّنبيه، وقد تَكَرَّرَت في «هؤلاء»، فالمُخاطَبونَ يُنَبَّهونَ مَرَّتَينِ قَبلَ أن يُذكَرَ ما فَعَلوه. ويُحمَلُ التَّركيبُ على أوجُه: أن تَكونَ «أنتُم» مُبتَدَأً و«هؤلاء» خَبَرَه، و«جادَلتُم» كَلاماً مُستَأنَفاً يُبَيِّنُ ما هُم عَلَيه، وأن تَكونَ «هؤلاء» مُنادىً، أي: ها أنتُم يا هؤلاء، وأن تَكونَ بِمَعنى «الَّذينَ» فيَصيرَ «جادَلتُم» صِلَتَها. والأوجُهُ كُلُّها تُقيمُ المُخاطَبينَ أمامَ فِعلِهِم قَبلَ أن يُسأَلوا عن عاقِبَتِه.

«جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا»: فِعلٌ نُهِيَ عَنه الواحِدُ وأتَتهُ الجَماعة

والفِعلُ «جادَلتُم» هو الذي نُهِيَ عَنه المُخاطَبُ في السّابِعةِ بَعدَ المِئة، «ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذينَ يَختانونَ أنفُسَهُم»، وقد جاءَ هُنا ماضِياً مُسنَداً إلى الجَماعة، ومَعَه «عَن» نَفسُها، والضَّميرُ في «عَنهُم» يَعودُ على الذينَ وَصَفَتهُمُ الآيَتانِ قَبلَها بِالخِيانةِ والاستِخفاءِ والتَّبييت. فالآيةُ تَحفَظُ طَرَفَينِ مُتَمايِزَين: قَوماً يُجادَلُ عَنهُم، وجَماعةً جادَلَت، والجِدالُ من ج-د-ل قَولٌ يُفتَلُ ويُشَدُّ في مَوضِعِ غَيرِ قائلِه. وقد جاءَ التَّركيبُ نَفسُه في الكِتابِ مَوصولاً بِالمُحاجّة: هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ﴾.

و«في الحَياةِ الدُّنيا» تُعَيِّنُ مَيدانَ هذا الجِدال. والدُّنيا من د-ن-و، والجِذرُ احتِباسٌ ثابِتٌ يَنبَعِثُ مِنه قُربٌ لَطيف، ومنه «دَنا» قَرُب، و«الدُّنيا» مُؤَنَّثُ «الأدنى» صِفةً لِلحَياة، فهي الحَياةُ القَريبةُ الحاضِرة، وفيها كانَ الجِدالُ بَينَ ناسٍ يَسمَعُ بَعضُهُم بَعضاً. وفي اللَّفظِ مُقابِلٌ يُنتَظَرُ بَعدَ «الأدنى»، تُسَمّيه الجُملةُ التّاليةُ: «يَومَ القِيامة».

«فَمَن يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»: جِدالٌ يَصيرُ اللهُ فيه الطَّرَفَ المُقابِل

ثُمَّ يُعادُ الفِعلُ في سُؤال: «فمَن يُجادِلُ اللهَ عَنهُم يَومَ القِيامة»، وقد وَقَعَ هُنا على اسمِ اللهِ مَفعولاً بِه، فالمُجادَلةُ على المُفاعَلةِ تَجعَلُ اللهَ الطَّرَفَ الذي يُفتَلُ القَولُ في مُقابِلِه. والفاءُ تَصِلُ السُّؤالَ بِما قَبلَه: جادَلتُم عَنهُم في الأدنى، فمَن يُجادِلُ عَنهُم هُناك؟ والسُّؤالُ بِـ«مَن» في هذا المَوضِعِ يُفهَمُ مِنه النَّفي. وفي الكِتابِ وَصفٌ لِذلك اليَومِ يَقَعُ فيه الفِعلُ نَفسُه مَوصولاً بِـ«عَن»: يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا﴾، فالجِدالُ في ذلك اليَومِ جِدالُ كُلِّ نَفسٍ عن نَفسِها.

والقِيامةُ من ق-و-م، والجِذرُ عَقدٌ يُمسِكُ الشَّيءَ من باطِنِه حتّى يَنتَصِب، ومنه «قامَ» انتَصَبَ مُتَماسِكاً، فيَومُ القِيامةِ يَومُ قِيامِ الخَلقِ مُنتَصِبين. والآيةُ تُقابِلُ بَينَ وَقتَين: «الحَياةِ الدُّنيا» القَريبةِ التي جَرى فيها الجِدالُ عَنهُم، و«يَومِ القِيامةِ» الذي يُسأَلُ عَمَّن يُجادِلُ فيه عَنهُم.

«أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا»: مَن يَتَوَلّى أمرَهُم إذا وُكِلَ إلَيه

ثُمَّ سُؤالٌ ثانٍ مَعطوفٌ بِـ«أم»: «أم مَن يَكونُ عَلَيهِم وَكيلاً». والوَكيلُ من و-ك-ل، والجِذرُ أمرٌ يُوصَلُ إلى مَن يُمسِكُه فيَحوزُه ويَقومُ عَلَيه، و«وَكَلَ إلَيه الأمرَ» جَعَلَه في يَدِه. و«عَلَيهِم» تَجعَلُ هذا القِيامَ فَوقَهُم، قِيامَ مَن يَتَوَلّى أمرَهُم كُلَّه. وقد خُتِمَت الحاديةُ والثَّمانونَ بِقَولِه وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾، وجاءَ التَّركيبُ نَفسُه سُؤالاً في قَولِه أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾. فالسُّؤالانِ في الآيةِ عن دَورَين: لِسانٍ يُجادِلُ عَنهُم، ويَدٍ تَتَوَلّى أمرَهُم، والأوَّلُ هو الذي قامَ بِه المُخاطَبونَ في الحَياةِ الدُّنيا، وكِلاهُما يُسأَلُ عَنه سُؤالاً يُفهَمُ مِنه أنَّه لا قائمَ بِه.


حَصيلة

تَنتَقِلُ الآيةُ بِالخِطابِ من الواحِدِ إلى جَماعةٍ تُنَبَّهُ مَرَّتَين، «ها أنتُم هؤلاء»، ثُمَّ تُواجِهُها بِفِعلِها: جادَلتُم عَنهُم، وهو الفِعلُ الذي نُهِيَ عَنه الواحِدُ في السّابِعةِ بَعدَ المِئة، والجِدالُ من ج-د-ل قَولٌ يُفتَلُ في مَوضِعِ غَيرِ قائلِه. وتَضَعُ هذا الجِدالَ في «الحَياةِ الدُّنيا»، من د-ن-و، الحَياةِ القَريبةِ الحاضِرة، ثُمَّ تَسأَلُ عَمَّن يُجادِلُ اللهَ عَنهُم «يَومَ القِيامة»، من ق-و-م، يَومَ يَقومُ الخَلقُ مُنتَصِبين، فيَصيرُ اللهُ الطَّرَفَ الذي يُفتَلُ القَولُ في مُقابِلِه، وفي الكِتابِ أنَّ كُلَّ نَفسٍ تُجادِلُ يَومَئذٍ عن نَفسِها. ثُمَّ تَسأَلُ عَمَّن يَكونُ عَلَيهِم وَكيلاً، من و-ك-ل، يَتَوَلّى أمرَهُم، والسُّؤالانِ يُفهَمُ مِنهُما أنَّه لا أحَدَ يَقومُ بِذلك.