النساء · الآية 144

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ»: وَصفٌ يَعودُ نَهياً

تَنتَقِلُ الآيةُ من الإخبارِ عن المُنافِقينَ إلى نِداءِ «الذينَ آمَنوا»، وتَنهاهُم بِلَفظٍ سَبَقَ في وَصفِ غَيرِهِم: «لا تَتَّخِذوا الكافِرينَ أولياءَ من دونِ المُؤمِنين». فالعِبارةُ التي وُصِفَ بِها قَومٌ في الآيةِ التّاسِعةِ والثَّلاثينَ بَعدَ المِئةِ بِمُضارِعٍ مُثبَت، الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، تَعودُ هُنا بَعدَ «لا» النّاهيةِ مُوَجَّهةً إلى المُنادَين، فِعلُها بِضَميرِ الخِطابِ وما بَعدَه بِحُروفِه، فما كانَ صِفةً لِقَومٍ صارَ حَدّاً يُحفَظُ مِنه المُخاطَبون. والاتِّخاذُ من أ-خ-ذ على افتَعَل، أخذٌ يَصرِفُه صاحِبُه إلى نَفسِه ويَجعَلُ بِه المَأخوذَ شَيئاً آخَر، فالنَّهيُ يَقَعُ على قُربٍ يُصنَعُ صُنعاً ويُختارُ اختِياراً.

والمُنادَونَ «الذينَ آمَنوا» بِمَوصولٍ وفِعلٍ ماضٍ، والجَماعةُ التي يُنهَونَ عن تَجاوُزِها «المُؤمِنين» بِاسمِ فاعِلٍ مَجموع، فالمُنادَونَ هُم من أهلِ الجانِبِ الذي يُنهَونَ عن تَجاوُزِه، والنَّهيُ يَقِفُ بِهِم عِندَ جَماعةٍ تُسَمّى بِاسمِ فِعلِهِم. والإيمانُ من أ-م-ن ثِقةٌ تُعطى فيَسكُنُ بِها الباطِن، فمَن أعطى ثِقَتَه كانَ من «المُؤمِنين»، والنَّهيُ يَحفَظُ عَلَيه أن يَبقى في الجانِبِ الذي سُمِّيَ بِفِعلِه.

«أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ»: قُربٌ يُوضَعُ في غَيرِ مَوضِعِه

و«أولياءَ» جَمعُ وَليّ، من و-ل-ي، وَصلٌ مَمدودٌ يَتَعَلَّقُ بِما يَليه فيَلتَصِقُ بِه، فالوَليُّ مَن يَلي غَيرَه بِلا فاصِلٍ ويَقومُ بِأمرِه، والمَوضِعُ الذي يَلي المَرءَ مَوضِعٌ واحِد، مَن وُضِعَ فيه أُخِّرَ عَنه غَيرُه. و«مِن دونِ المُؤمِنين» من د-و-ن، والدّونُ ما يَقَعُ أدنى من الشَّيءِ ويَقصُرُ عَنه، فالمَنهيُّ عَنه أن يوضَعَ الكافِرونَ في المَوضِعِ الذي يَلي المُخاطَبين، ويُترَكَ المُؤمِنونَ دونَه.

والكافِرونَ من ك-ف-ر، الذينَ يُغَطّونَ ما يَظهَرُ لَهُم، وقد جَعَلَتهُمُ الآيةُ الحادِيةُ والأربَعونَ بَعدَ المِئةِ طَرَفاً يَنفي اللهُ أن يَجعَلَ لَه على المُؤمِنينَ سَبيلاً، فالقُربُ المَنهيُّ عَنه هُنا قُربٌ من فَريقٍ لا سَبيلَ لَه على الجانِبِ الذي يَتَجاوَزُه المُتَّخِذ. فالنَّهيُ يَصِلُ ما قَبلَه بَعضَه بِبَعض: قَومٌ وُصِفوا بِهذا الاتِّخاذ، وفَريقٌ نُفِيَ سَبيلُه، ومُخاطَبونَ يُنهَونَ عن أن يَصنَعوا بِأيديهِم ما وُصِفَ بِه غَيرُهُم.

«أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ»: سُؤالٌ يَضَعُ العاقِبةَ في مَوضِعِ المُراد

ثُمَّ يَأتي سُؤالٌ بِالهَمزة: «أتُريدونَ أن تَجعَلوا لِلهِ عَلَيكُم سُلطاناً مُبيناً». والإرادةُ من ر-و-د، سَعيٌ يَجري ويَمتَدُّ مُندَفِعاً إلى ما يَقصِدُه، و«أن تَجعَلوا» مَصدَرٌ مُؤَوَّلٌ هو مَفعولُها، فالسُّؤالُ يَجعَلُ ما يَنتُجُ عن الاتِّخاذِ غايةً مَقصودة: مَن يَتَّخِذُ الكافِرينَ أولياءَ يَسعى، في لَفظِ السُّؤال، إلى أن يَجعَلَ لِلهِ عَلَيه سُلطاناً. والاستِفهامُ هُنا يُنكِرُ ويُحَذِّر، ويَكشِفُ الفِعلَ بِعاقِبَتِه قَبلَ أن يَقَع.

والفِعلُ «تَجعَلوا» يَعودُ بِقالَبٍ جَرى في هذه السّورةِ ثَلاثَ مَرّاتٍ قَبلَ هذه الآية: «جَعَلَ» ولامٌ لِمَن يُجعَلُ لَه و«على» لِمَن يُجعَلُ عَلَيه، في الآيةِ التِّسعين فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾، والحادِيةِ والتِّسعين جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا﴾، والحادِيةِ والأربَعينَ بَعدَ المِئة وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾. والجاعِلُ في الثَّلاثِ هو الله، وهو في هذه الآيةِ المُخاطَبونَ أنفُسُهُم، ويَصيرُ اللهُ فيها مَن يُجعَلُ لَه، ويَصيرونَ هُم مَن يُجعَلُ عَلَيه. فالسُّلطانُ الذي جُعِلَ في الآيةِ الحادِيةِ والتِّسعينَ لِلمُخاطَبينَ على غَيرِهِم، يُسأَلونَ هُنا أيُريدونَ أن يَجعَلوه على أنفُسِهِم.

«سُلْطَانًا مُّبِينًا»: حُجّةٌ ظاهِرةٌ يَعقِدُها المُخاطَبُ على نَفسِه

والسُّلطانُ من س-ل-ط، نُفوذٌ يَبرُزُ مُستَقِلّاً ثُمَّ يُطبِقُ على ما يَقَعُ عَلَيه، ومنه «السَّليطُ» الزَّيتُ يَسري في الفَتيلِ فيَعُمُّه، فالسُّلطانُ حُجّةٌ أو قُدرةٌ تَنفُذُ في المَحكومِ عَلَيه. و«مُبيناً» من ب-ي-ن، اسمُ فاعِلٍ من «أبانَ»، يُظهِرُ نَفسَه ويُظهِرُ ما يَدُلُّ عَلَيه. و«لِله» بِاللّامِ جِهةُ مَن يَكونُ لَه السُّلطان، و«عَلَيكُم» جِهةُ مَن يَقَعُ عَلَيه، فالمُتَّخِذُ الكافِرينَ أولياءَ يَصنَعُ بِفِعلِه حُجّةً ظاهِرةً تَقومُ عَلَيه، وتَقِفُ الآيةُ عِندَ تَسمِيةِ هذه الحُجّةِ وصِفَتِها.

و«سُلطاناً مُبيناً» في هذه السّورةِ ثَلاثَ مَرّات: في الآيةِ الحادِيةِ والتِّسعينَ لِلمُخاطَبينَ على قَومٍ لم يَعتَزِلوهُم، وهُنا لِلهِ على المُخاطَبينَ إن أرادوه، وفي الآيةِ الثّالِثةِ والخَمسينَ بَعدَ المِئةِ لِموسى: وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَانًا مُّبِينًا﴾. فالكَلِمَتانِ تَنتَقِلانِ في السّورةِ بَينَ ثَلاثِ جِهات، والآيةُ هُنا تَضَعُهُما في الجِهةِ التي يُحَذَّرُ مِنها المُخاطَبون: حُجّةٌ ظاهِرةٌ لِلهِ عَلَيهِم يَعقِدونَها بِأيديهِم.


حَصيلة

تُنادي الآيةُ الذينَ آمَنوا، من أ-م-ن، وتَنهاهُم بِالعِبارةِ التي وُصِفَ بِها قَومٌ في الآيةِ التّاسِعةِ والثَّلاثينَ بَعدَ المِئة: ألّا يَتَّخِذوا، من أ-خ-ذ، الكافِرينَ أولياءَ، من و-ل-ي، يَلونَهُم ويَقرُبونَ مِنهُم، في مَوضِعٍ يُترَكُ فيه المُؤمِنونَ دونَهُم، من د-و-ن، وهُمُ الجَماعةُ التي يُسَمّيها فِعلُ المُنادَينَ أنفُسِهِم. ثُمَّ تَسأَلُ سُؤالاً يَضَعُ العاقِبةَ في مَوضِعِ الإرادة، من ر-و-د: أن يَجعَلوا، من ج-ع-ل، لِلهِ عَلَيهِم سُلطاناً، من س-ل-ط، مُبيناً، من ب-ي-ن. وهو رابِعُ مَوضِعٍ في السّورةِ لِقالَبِ «جَعَلَ لِـ… على…»، والوَحيدُ الذي يَكونُ الجاعِلُ فيه المُخاطَبين، فالسُّلطانُ الذي جُعِلَ لَهُم على غَيرِهِم في الآيةِ الحادِيةِ والتِّسعينَ يَصيرُ هُنا حُجّةً يَعقِدونَها على أنفُسِهِم إن أرادوها.