النساء · الآية 145

﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا

«إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ»: من الإخبارِ بِالفِعلِ إلى الإخبارِ بِالمَوضِع

تَبدَأُ الآيةُ بِما بَدَأَت بِه الآيةُ الثّانيةُ والأربَعونَ بَعدَ المِئة: «إنَّ المُنافِقين»، وتَختَلِفُ الآيَتانِ فيما يُخبَرُ بِه عَنهُم: هُناكَ فِعلٌ يَتَجَدَّد، يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾، وهُنا مَوضِعٌ يُذكَرونَ فيه، «في الدَّركِ الأسفَلِ من النّار». فالأُولى تُخبِرُ عَنهُم بِما يَصنَعون، وهذه تُخبِرُ عَنهُم بِالمَوضِعِ الذي هُم فيه، في جُملةٍ اسمِيّةٍ مُؤَكَّدةٍ بِـ«إنَّ» لا فِعلَ فيها يُقَيِّدُها بِزَمَن. والمُنافِقونَ من ن-ف-ق، أهلُ نَفَقٍ لَه مَدخَلٌ ومَخرَج، والآيةُ تَضَعُ أهلَ المَدخَلِ والمَخرَجِ في دَرْكٍ يُبلَغُ نُزولاً، ثُمَّ تَنفي أن يوجَدَ لَهُم نَصير.

«الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ»: أبعَدُ ما يُبلَغُ نُزولاً

والدَّرْكُ من د-ر-ك، دَفعٌ يَجري إلى جِهَتِه حتّى يَلحَقَ ما أمامَه ويَبلُغَه، ومنه «أدرَكَه» لَحِقَه، و«الدَّرْكُ» في كلامِ العَرَبِ أقصى قَعرِ الشَّيء، يُبلَغُ نُزولاً كما يُبلَغُ المُدرَكُ لِحاقاً. ولا يَرِدُ هذا الاسمُ في الكِتابِ إلّا في هذه الآية، ويَرِدُ من جِذرِه «دَرَكاً» في الآيةِ السّابِعةِ والسَّبعينَ من سورةِ طه: لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَىٰ﴾، أي لِحاقاً يُدرِكُ مَن يَسلُكُ الطَّريقَ الذي ضُرِبَ في البَحر، فالجِذرُ في المَوضِعَينِ بُلوغ: هُناكَ بُلوغُ اللّاحِقِ مَن أمامَه، وهُنا بُلوغُ النّازِلِ آخِرَ ما يَنزِلُ إلَيه. وقد جاءَ الجِذرُ في هذه السّورةِ قَبلَ ذلك فِعلاً لِلمَوتِ في الآيةِ الثّامِنةِ والسَّبعينَ والآيةِ المِئة، والمَوتُ فيهِما لاحِقٌ يَبلُغُ مَن يَطلُبُه.

و«الأسفَلُ» من س-ف-ل على أفعَلَ لِلتَّفضيل، مُعَرَّفٌ بِاللّامِ صِفةً لِلدَّرك، فهو دَرْكٌ لا يَكونُ تَحتَه ما هو أسفَلُ مِنه، و«مِنَ النّارِ» تَجعَلُه بَعضاً من النّار، والنّارُ من ن-و-ر، طاقةٌ تَخرُجُ من داخِلٍ فتَسري فيما حَولَها. فالآيةُ تَصِفُ المَوضِعَ بِثَلاثِ كَلِماتٍ تَتَتابَعُ في اتِّجاهٍ واحِد: دَرْكٌ يُبلَغ، وأسفَلُ يَنتَهي إلَيه النُّزول، ونارٌ هو بَعضٌ مِنها.

«وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا»: نَفيُ اليَدِ التي تَشُدّ

ثُمَّ تُختَمُ الآيةُ بِـ«ولَن تَجِدَ لَهُم نَصيراً». و«لَن» تَنفي الوِجدانَ فيما يُستَقبَل، والخِطابُ في «تَجِدَ» لِواحِد، والنَّصيرُ من ن-ص-ر، مَن يَقومُ ثابِتاً إلى جانِبِ مَن يُعينُه فيَشُدُّه، و«فَعيل» يَجعَلُه صِفةً دائمة. وقد جاءَ مِثلُ هذا الخِتامِ في الآيةِ الثّانيةِ والخَمسينَ بِضَميرِ المُفرَدِ جَواباً لِشَرط: وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾، وهو هُنا بِضَميرِ الجَمعِ «لَهُم» مَعطوفاً بِالواوِ على خَبَرٍ عن مَوضِعٍ قائم.

وبَينَ خِتامِ الآيةِ الثّالِثةِ والأربَعينَ بَعدَ المِئةِ وخِتامِ هذه الآيةِ بِناءٌ واحِد: فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ هُناك، و«ولَن تَجِدَ لَهُم نَصيراً» هُنا. والسَّبيلُ طَريقٌ يَخرُجُ مِنه السّالِكُ إلى غايَتِه، والنَّصيرُ يَدٌ تَقومُ مَعَ صاحِبِها، فالآيَتانِ تَنفِيانِ ما يَخرُجُ بِه المَرءُ من مَوضِعِه: طَريقاً يَسلُكُه، ومُعيناً يَشُدُّه. ثُمَّ تَأتي الآيةُ السّادِسةُ والأربَعونَ بَعدَ المِئةِ مُفتَتَحةً بِاستِثناءٍ يَعودُ إلى المُنافِقينَ المَذكورينَ هُنا: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا﴾، فالمَوضِعُ الذي وُصِفَ في هذه الآيةِ يَتبَعُه في الكَلامِ بابٌ يُفتَحُ لِمَن تابَ وأصلَحَ واعتَصَمَ بِاللهِ وأخلَصَ دينَه لِله.


حَصيلة

تَبدَأُ الآيةُ بِما بَدَأَت بِه الآيةُ الثّانيةُ والأربَعونَ بَعدَ المِئة، «إنَّ المُنافِقين»، وتَنتَقِلُ من الإخبارِ عَنهُم بِفِعلٍ إلى الإخبارِ عَنهُم بِمَوضِع: «في الدَّركِ الأسفَلِ من النّار». والدَّرْكُ من د-ر-ك بُلوغٌ ولِحاق، وهو هُنا أقصى ما يُبلَغُ نُزولاً، اسمٌ لا يَرِدُ في الكِتابِ في غَيرِ هذه الآية، و«الأسفَلُ» من س-ف-ل تَفضيلٌ مُعَرَّفٌ يَقِفُ عِندَه النُّزول، والنّارُ من ن-و-ر طاقةٌ تَخرُجُ فتَسري فيما حَولَها، والدَّرْكُ بَعضٌ مِنها. ثُمَّ تَختِمُ بِنَفيِ النَّصير، من ن-ص-ر، فيما يُستَقبَل، فيَجتَمِعُ في الآيةِ الثّالِثةِ والأربَعينَ بَعدَ المِئةِ وفي هذه نَفيُ الطَّريقِ ونَفيُ المُعين، ثُمَّ يَفتَحُ الاستِثناءُ في الآيةِ التّالِيةِ باباً لِمَن تابَ وأصلَحَ واعتَصَمَ بِاللهِ وأخلَصَ دينَه لِله.