النساء · الآية 143

﴿مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا

«مُّذَبْذَبِينَ»: مَقطَعٌ يُعادُ فيَتَرَجَّحُ ولا يَستَقِرّ

تَبدَأُ الآيةُ بِكَلِمةٍ مَنصوبةٍ لا فِعلَ لَها في الآيةِ نَفسِها: «مُذَبذَبين»، فهي مَعقودةٌ بِما قَبلَها، ويَحتَمِلُ اللَّفظُ أن تَكونَ حالاً من القائمينَ إلى الصَّلاةِ المُرائينَ في الآيةِ السّابِقة، وأن تَكونَ مَنصوبةً على الذَّمِّ بِفِعلٍ مُقَدَّر. وعلى الوَجهَينِ تَصِلُ الآيةُ الوَصفَ بِمَن سُمّوا في تِلكَ الآيةِ مُنافِقين، دونَ أن تُعيدَ اسمَهُم.

و«مُذَبذَبينَ» اسمُ مَفعولٍ من الرُّباعيِّ «ذَبذَبَ»، بِفَتحِ الذّالِ الثّانية، فالقَومُ فيه مَحمولونَ على الحَرَكة، والذي يُذَبذِبُهُم يَبقى خارِجَ اللَّفظ. والذَّبذَبةُ في كلامِ العَرَبِ تَرَدُّدُ الشَّيءِ المُعَلَّقِ في الهَواء، يَذهَبُ ويَجيءُ ولا يَستَقِرُّ على جِهة، و«رَجُلٌ مُذَبذَبٌ» مُتَرَدِّدٌ بَينَ أمرَين. والجِذرُ ذ-ب-ذ-ب رُباعيٌّ يُعادُ فيه مَقطَعٌ واحِد، «ذَبْ» ثُمَّ «ذَبْ»، و«ذَبَّ» في أصلِه دَفعٌ يُبعِدُ الشَّيءَ عن مَوضِعِه، يُقالُ «ذَبَّ عَنه» إذا دَفَعَ عَنه. فإذا أُعيدَ المَقطَعُ صارَ الدَّفعُ دَفعَين، يَذهَبُ الأوَّلُ بِالشَّيءِ ويَرُدُّه الثّاني، فالتَّكرارُ في بِناءِ الكَلِمةِ هو التَّرَجُّحُ الذي تَصِفُه: حَرَكةٌ تَعودُ على نَفسِها ولا تَبلُغُ مُنتَهى.

«بَيْنَ ذَٰلِكَ»: مَسافةٌ بَينَ طَرَفَينِ جُمِعا في إشارةٍ واحِدة

و«بَينَ ذلك» مَوضِعُ الذَّبذَبة، و«بَينَ» من ب-ي-ن، انفِتاحٌ يُخرِجُ الباطِنَ إلى الظُّهورِ فيَنفَصِلُ الشَّيءُ عَمّا حَولَه، فهي اسمٌ لِلمَسافةِ التي تَفصِلُ بَينَ شَيئَين. و«ذلك» اسمُ إشارةٍ مُفرَدٌ يَقَعُ على طَرَفَينِ جُمِعا في لَفظٍ واحِد، كما في الآيةِ الثّامِنةِ والسِّتّينَ من سورةِ البَقَرة: لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَٰلِكَ﴾، فـ«ذلك» هُناكَ يَجمَعُ الفارِضَ والبِكرَ اللَّذَينِ ذُكِرا قَبلَه. ومَرجِعُ «ذلك» هُنا ما جَرى قَبلَه من الكَلام، والآياتُ السّابِقةُ قد أقامَت في المَشهَدِ طَرَفَين، الكافِرينَ والمُؤمِنين، ويَبقى تَعيينُ الطَّرَفَينِ في هذه الآيةِ مَعقوداً بِالإشارةِ وَحدَها.

ويَرِدُ «بَينَ ذلك» في الكِتابِ في سَبعِ آيات، ويَحمِلُ في بَعضِها وَسَطاً قائماً بِذاتِه، كما في الآيةِ العاشِرةِ بَعدَ المِئةِ من سورةِ الإسراء: وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا﴾، والآيةِ السّابِعةِ والسِّتّينَ من سورةِ الفُرقان: وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾، فما بَينَ الطَّرَفَينِ هُناكَ سَبيلٌ يُبتَغى وقَوامٌ يُقامُ عَلَيه. وهو هُنا مَوضِعُ ذَبذَبة، والآيةُ تَختِمُ بِنَفيِ السَّبيل: «فلَن تَجِدَ لَه سَبيلاً»، فالبَينُ الذي يَكونُ في مَوضِعٍ طَريقاً مَسلوكاً يَكونُ هُنا مَسافةً يُتَرَجَّحُ فيها. وفي هذه السّورةِ مَوضِعٌ آخَرُ يُطلَبُ فيه سَبيلٌ «بَينَ ذلك»، في الآيةِ الخَمسينَ بَعدَ المِئة: وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا﴾.

«لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ»: غايةٌ تُنفى من الجِهَتَين

ثُمَّ يُفَسَّرُ التَّرَجُّحُ بِنَفيَين: «لا إلى هؤلاءِ ولا إلى هؤلاء». و«إلى» حَرفٌ لِمُنتَهى الحَرَكة، وقد نُفِيَ المُنتَهى مَرَّتَين، فالحَرَكةُ تَتَّجِهُ إلى كُلِّ طَرَفٍ ولا تَنتَهي عِندَه. وحُذِفَ ما تَتَعَلَّقُ بِه «إلى»، فبَقِيَ حَرفُ الغايةِ وَحدَه يَحمِلُ الوِجهة، ويَحتَمِلُ المَحذوفُ مَعنى الانتِسابِ ومَعنى المَصير. وفي آيةِ البَقَرةِ التي جاءَ فيها «بَينَ ذلك» نَفيانِ كذلك، لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾، والنَّفيانِ هُناكَ يُثبِتانِ وَسَطاً مُستَقِرّاً عَوَانٌ بَيْنَ ذَٰلِكَ﴾، والنَّفيانِ هُنا يَنفِيانِ البُلوغَ إلى الطَّرَفَين، فلا يَبقى إلّا التَّرَجُّح.

و«هؤلاءِ» مُعادةٌ بِلَفظِها، اسمُ إشارةٍ لِلقَريبِ المَجموع، فالطَّرَفانِ في اللَّفظِ حاضِرانِ مُتَساوِيان، لا يَفتَرِقُ أحَدُهُما عن الآخَرِ بِاسمٍ ولا بِصِفة، ويُمَيِّزُ بَينَهُما التَّكرارُ وَحدَه. فالآيةُ تُشيرُ إلى الطَّرَفَينِ كأنَّهُما قائمانِ أمامَ المُذَبذَبينَ في وَقتٍ واحِد، وتَترُكُ تَعيينَهُما لِما جَرى من الكَلامِ قَبلَها. وفي الآيةِ العِشرينَ من سورةِ الإسراءِ تُعادُ الإشارةُ نَفسُها بِالواو: كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ﴾، والإمدادُ هُناكَ يَبلُغُ الفَريقَينِ كِلَيهِما، وهُنا يُنفى البُلوغُ إلى كُلٍّ مِنهُما.

«وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا»: خِتامٌ يَعودُ بِحُروفِه

ثُمَّ تُختَمُ الآيةُ بِشَرطٍ عامّ: «ومَن يُضلِلِ اللهُ فلَن تَجِدَ لَه سَبيلاً»، وهي الجُملةُ التي خُتِمَت بِها الآيةُ الثّامِنةُ والثَّمانونَ بِحُروفِها. وفي المَوضِعَينِ يَسبِقُ الخِتامَ انقِسامٌ إلى اثنَين: هُناكَ فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾، فِئَتانِ من المُخاطَبينَ في شَأنِ المُنافِقين، وهُنا قَومٌ يُذَبذَبونَ بَينَ طَرَفَين، فالخِتامُ نَفسُه يُغلِقُ في المَوضِعَينِ كَلاماً يَدورُ على الاثنَين.

و«يُضلِلِ» مُضارِعٌ مَجزومٌ بِـ«مَن» الشَّرطيّة، من ض-ل-ل، والضَّلالُ خُروجٌ إلى مُتَّسَعٍ يَنسابُ فيه الخارِجُ بِلا مُمسِك، و«لَن» تَنفي الوِجدانَ فيما يُستَقبَل، والخِطابُ في «تَجِدَ» لِواحِد، والوِجدانُ من و-ج-د لِقاءٌ يَنعَقِدُ على الشَّيءِ بَعدَ طَلَب، والسَّبيلُ مَجرىً مَمدودٌ يُسلَكُ إلى غاية. فالآيةُ تَضَعُ صورَتَينِ مُتَجاوِرَتَين: مُذَبذَبٌ لَه طَرَفانِ يَتَّجِهُ إلَيهِما ولا يَنتَهي إلى أحَدِهِما، ومَن تُرِكَ في مُتَّسَعٍ لا مُمسِكَ فيه ولا مَجرى يُسلَكُ إلى غاية. والحالانِ تَجتَمِعانِ في فَقدِ المُنتَهى: الأوَّلُ تُنفى عَنه «إلى» مَرَّتَين، والثّاني يُنفى عَنه السَّبيل.


حَصيلة

تَصِلُ الآيةُ وَصفَ المُنافِقينَ بِكَلِمةٍ مَنصوبةٍ مَعقودةٍ بِما قَبلَها: «مُذَبذَبين»، اسمُ مَفعولٍ من الرُّباعيِّ ذ-ب-ذ-ب، يُعادُ فيه مَقطَعُ الدَّفعِ مَرَّتَينِ فيَصيرُ تَرَجُّحاً يَذهَبُ ويَعود، والمُحَرِّكُ خارِجَ اللَّفظ. ومَوضِعُ التَّرَجُّحِ «بَينَ ذلك»، من ب-ي-ن، مَسافةٌ بَينَ طَرَفَينِ جُمِعا في إشارةٍ مُفرَدة، وهي في مَواضِعَ من الكِتابِ سَبيلٌ يُبتَغى وقَوامٌ يُقامُ عَلَيه، وهي هُنا مَسافةٌ لا يُنتَهى فيها إلى طَرَف: «لا إلى هؤلاءِ ولا إلى هؤلاء»، بِإشارةٍ مُعادةٍ تُسَوّي الطَّرَفَينِ في اللَّفظ. ثُمَّ تُختَمُ بِالجُملةِ التي خُتِمَت بِها الآيةُ الثّامِنةُ والثَّمانون: مَن يُضلِلْهُ اللهُ، من ض-ل-ل، فلَن يُلقى لَه سَبيل، فالمُذَبذَبُ والمَتروكُ في المُتَّسَعِ يَجتَمِعانِ في فَقدِ المُنتَهى.