النساء · الآية 22

﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۚ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۚ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا

«وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ»: فِعلٌ واحِدٌ يُمنَعُ أن يَتَكَرَّرَ في جيلَين

بَعدَ النَّهيِ عن إرثِ النِّساءِ وعَضلِهِنَّ وأخذِ ما أُعطينَ، يَأتي نَهيٌ عن اقتِرانٍ بِعَينِه: «ولا تَنكِحوا ما نَكَحَ آباؤُكُم مِنَ النِّساء». والنِّكاحُ من ن-ك-ح، اقتِرانُ اثنَينِ يَدخُلُ فيه كُلٌّ مِنهُما في حَياةِ الآخَر، وقد جاءَ الفِعلُ في الآيةِ مَرَّتَين: «تَنكِحوا» لِلأبناء، و«نَكَحَ» لِلآباء، فالنَّهيُ يَقَعُ على أن يَتَكَرَّرَ الفِعلُ نَفسُه مَعَ المَرأةِ نَفسِها من جيلٍ إلى الجيلِ الذي يَليه. والفِعلُ الأوَّلُ مُضارِعٌ مَنهيٌّ عَنه يَستَقبِل، والثّاني ماضٍ قد وَقَع، فالعِبارةُ تَجعَلُ ما فَعَلَه الآباءُ في الماضي حَدّاً لِما يُفعَلُ في المُستَقبَل.

و«ما» في «ما نَكَحَ» تَقَعُ على النِّساء، وتُبَيِّنُها «مِنَ النِّساء»، والعِبارةُ تَجمَعُ بِذلك المَرأةَ واقتِرانَها مَعاً: ما كانَ لِلآباءِ من اقتِرانٍ بِامرأةٍ يَبقى لَهُم، ويُمنَعُ أن يَنتَقِلَ إلى الأبناء. والآباءُ جَمعُ أب، من أ-ب-و، وهو الأصلُ الذي يَنتَسِبُ إلَيه الوَلَدُ ويَرجِعُ إلَيه. وقد مَنَعَت الآيةُ التي قَبلَ الآيَتَينِ أن تُورَثَ النِّساء، وهذه تَمنَعُ صورةً قَريبةً من ذلك المَعنى، يَخلُفُ فيها الابنُ أباه على امرأتِه، فالسِّياقُ كُلُّه يَحفَظُ المَرأةَ من أن تَنتَقِلَ مَعَ ما يَنتَقِلُ من الآباءِ إلى الأبناء.

«إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ»: ماضٍ يُفرَدُ عمّا يُستَأنَف

والاستِثناءُ «إلّا ما قَد سَلَف»، والسَّلَفُ من س-ل-ف، ما تَقَدَّمَ ومَضى، ومنه «السَّلَف» لِلقَومِ المُتَقَدِّمين، و«أسلَفَ» قَدَّمَ قَبلَ الوَقت. و«قَد» مَعَ الماضي تُثبِتُ المُضِيَّ وتُحَقِّقُه، فالاستِثناءُ يَقَعُ على ما تَمَّ قَبلَ هذا الخِطاب، والنَّهيُ «ولا تَنكِحوا» يَستَقبِلُ ما بَعدَه. والعِبارةُ نَفسُها تَعودُ في الآيةِ التّالِيةِ بَعدَ الجَمعِ بَينَ الأُختَين: وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، فهي طَريقةُ الآيَتَينِ في الفَصلِ بَينَ ما مَضى وما يُستَأنَف. والآيةُ تُفرِدُ ما مَضى بِالاستِثناء، وأمّا ما يَتَرَتَّبُ على اقتِرانٍ من ذلك قائمٍ ساعةَ الخِطابِ فتَترُكُه العِبارةُ مَفتوحاً.

«إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا»: فِعلٌ ونُفورٌ وطَريق

ثُمَّ يُعَلَّلُ النَّهيُ بِثَلاثةِ أوصاف، و«إنَّه» تَرجِعُ إلى هذا النِّكاح، و«كانَ» تَجعَلُ الوَصفَ قائماً فيه من قَبل، فهو فاحِشةٌ قَبلَ النَّهيِ وبَعدَه. والاستِثناءُ الذي سَبَقَه يُخرِجُ ما سَلَفَ من حُكمِ النَّهي، ويُبقيه تَحتَ الوَصف: ما مَضى خارِجٌ عن «ولا تَنكِحوا»، وداخِلٌ في «إنَّه كانَ فاحِشة». فالآيةُ تَفصِلُ بَينَ الأمرِ الذي يَستَقبِلُ والحُكمِ على الفِعلِ في نَفسِه، وتَجعَلُ لِكُلٍّ مِنهُما زَمَنَه.

والأوصافُ الثَّلاثةُ تَتَدَرَّج، وأوَّلُها «فاحِشةً»، من ف-ح-ش، الجِذرِ الذي سَمّى بِه أوَّلُ هذا المَقطَعِ ما تَأتيه النِّساء: «يَأتينَ الفاحِشة»، ويَعودُ هُنا وَصفاً لِفِعلٍ يَأتيه الرِّجال، فالجِذرُ يُحيطُ بِالمَقطَعِ من طَرَفَيه، ويَقَعُ على الفَريقَينِ بِالمِيزانِ نَفسِه. وثانيها «مَقتاً»، من م-ق-ت، والمَقتُ أشَدُّ البُغض، بُغضٌ يَنقَبِضُ مِنه صاحِبُه عن المَبغوضِ ويَنفِر، فالوَصفُ الأوَّلُ لِلفِعلِ في نَفسِه، والثّاني لِما يَنشَأُ عَنه في النُّفوسِ من نُفور.

وثالِثُها «وساءَ سَبيلاً»، و«ساءَ» فِعلُ ذَمٍّ من س-و-أ، الجِذرِ الذي جاءَ في آيَتَيِ التَّوبةِ «السُّوءَ» و«السَّيِّئات»، و«سَبيلاً» تُبَيِّنُ ما وَقَعَ عَلَيه الذَّمّ: الطَّريقُ الذي يُفضي إلَيه هذا الفِعل. وقد خُتِمَت آيةُ الإمساكِ بِـ«سَبيلاً» يَجعَلُه اللهُ لِلنِّساء، وتُختَمُ هذه بِـ«سَبيلاً» مَذموم، فالمَقطَعُ يَبدَأُ بِطَريقٍ يُفتَحُ لِلمُمسَكاتِ ويَنتَهي بِطَريقٍ يُذَمُّ سالِكُه. والأوصافُ الثَّلاثةُ تَسيرُ من الفِعلِ إلى أثَرِه في النُّفوسِ إلى ما يَقودُ إلَيه، فتُحيطُ بِه من أوَّلِه إلى آخِرِه.


حَصيلة

بَعدَ النَّهيِ عن إرثِ النِّساءِ واستِرجاعِ ما أُعطينَ، تَنهى الآيةُ عن أن يَتَكَرَّرَ النِّكاحُ، من ن-ك-ح، مَعَ المَرأةِ نَفسِها من الآباءِ إلى الأبناء، فالفِعلُ واحِدٌ في الجيلَين: «تَنكِحوا» و«نَكَحَ»، والآباءُ، من أ-ب-و، أصلٌ يَنتَسِبُ إلَيه الوَلَد، واقتِرانُ الأبِ يَبقى لَه ويُمنَعُ أن يَنتَقِلَ إلى ابنِه. ويُستَثنى «ما قَد سَلَف»، من س-ل-ف، ماضٍ مُحَقَّقٌ تُفرِدُه العِبارةُ عمّا يُستَأنَف، وتَترُكُ ما يَتَرَتَّبُ على القائمِ مِنه مَفتوحاً. ثُمَّ يُوصَفُ الفِعلُ بِـ«كانَ» وَصفاً قائماً قَبلَ النَّهيِ وبَعدَه: «فاحِشةً»، من ف-ح-ش، الجِذرِ الذي افتُتِحَ بِه المَقطَعُ في فِعلِ النِّساءِ ويُختَمُ بِه في فِعلِ الرِّجال، و«مَقتاً»، من م-ق-ت، بُغضاً شَديداً يَنشَأُ عَنه، و«ساءَ سَبيلاً»، طَريقاً مَذموماً يُقابِلُ السَّبيلَ الذي يَجعَلُه اللهُ لِلمُمسَكات. فالمَقطَعُ يَنغَلِقُ بِالجِذرَينِ اللَّذَينِ فُتِحَ بِهِما: الفاحِشةِ والسَّبيل.