النساء · الآية 20

﴿وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ۚ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ۚ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا

«وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ»: زَوجٌ يُطلَبُ في مَوضِعِ زَوج

تَنتَقِلُ الآيةُ من العِشرةِ التي يَصحَبُها الكُرهُ إلى إرادةِ الفِراق: «وإن أرَدتُمُ استِبدالَ زَوجٍ مَكانَ زَوج». والاستِبدالُ من ب-د-ل، على استِفعالٍ يَدُلُّ على الطَّلَب، والبَدَلُ ما يَقومُ مَقامَ غَيرِه، فالاستِبدالُ طَلَبُ أن يوضَعَ شَيءٌ في مَوضِعِ شَيءٍ يُزاحُ عَنه. والإرادةُ مُسنَدةٌ إلى المُخاطَبين، فالفِراقُ في الآيةِ من جِهَتِهِم، يُريدونَه ويَطلُبونَه، والآيةُ تَضَعُ حُكمَها عِندَ هذه الإرادة.

و«زَوجٍ» مُكَرَّرةٌ نَكِرةً في طَرَفَيِ العِبارة، والزَّوجُ من ز-و-ج، أحَدُ اثنَينِ يَقتَرِنُ كُلٌّ مِنهُما بِصاحِبِه فيَصيرانِ شَفعاً، وهو الاسمُ الذي سَمّى بِه أوَّلُ السّورةِ قَرينَ النَّفسِ الأُولى: وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾. فالمَرأةُ التي يُرادُ فِراقُها تُسَمّى بِاسمِ الشَّفعِ الذي هي شَطرُه، والتي يُرادُ أن تَحُلَّ مَحَلَّها تُسَمّى بِالاسمِ نَفسِه، و«مَكانَ» تَجعَلُ لِلزَّوجِ مَوضِعاً في الشَّفعِ تَتَعاقَبُ عَلَيه الاثنَتان. واللَّفظُ بِذلك يُذَكِّرُ المُريدَ بِأنَّ الأُولى كانَت شَطراً من شَفعٍ قَبلَ أن تَصيرَ مَوضِعاً يُخلى.

«وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا»: أعظَمُ العَطاءِ وأدنى الأخذ

والواوُ في «وآتَيتُم» تَعطِفُ على الإرادةِ أمراً قائماً: قد أعطَيتُم إحداهُنَّ قِنطاراً. و«إحداهُنَّ» تُفرِدُ امرأةً واحِدةً من النِّساءِ اللَّواتي جَرى عَلَيهِنَّ الكَلامُ في الآيةِ قَبلَها، والأظهَرُ أنَّها التي يُرادُ استِبدالُها، لِأنَّ الأخذَ المَنهيَّ عَنه أخذٌ مِمّا بِيَدِها. و«القِنطار» المالُ الكَثيرُ المُجتَمِعُ بَعضُه فَوقَ بَعض، ومنه في الكِتابِ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾، فالآيةُ تَفرِضُ أعظَمَ ما يُعطى، والعَطاءُ ماضٍ قد تَمَّ وخَرَجَ من يَدِ المُعطي.

ثُمَّ يَأتي النَّهيُ «فلا تَأخُذوا مِنه شَيئاً»، و«شَيئاً» نَكِرةٌ في سِياقِ النَّهيِ تَعُمُّ كُلَّ ما يَقَعُ عَلَيه الاسم، فيَقِفُ في العِبارةِ الواحِدةِ أعظَمُ العَطاءِ أمامَ أدنى الأخذ: قِنطارٌ أُعطِيَ، وشَيءٌ مِنه يُمنَعُ أخذُه. والأخذُ من أ-خ-ذ، التَّناوُلُ بِاليَدِ والحِيازةُ إلى النَّفس. والمالُ الذي أُعطِيَ صارَ لِلمَرأة، كما جَعَلَت آيةُ الصَّدُقاتِ ما يُعطاهُ النِّساءُ مُضافاً إلَيهِنّ، فالأخذُ مِنه أخذٌ من مالٍ خَرَجَ عن يَدِ الآخِذ. وقد جاءَ هذا النَّهيُ في مَوضِعٍ آخَرَ بِلَفظٍ قَريب: وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾.

«أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا»: أخذٌ يُسَمّى بِما يَصحَبُه

ثُمَّ يُعادُ الفِعلُ في استِفهامٍ يُنكِر: «أتَأخُذونَه»، والاستِفهامُ هُنا يَضَعُ الفِعلَ أمامَ فاعِلِه لِيَراه على حَقيقَتِه، ثُمَّ يُسَمّي تِلكَ الحَقيقة: «بُهتاناً وإثماً مُبيناً»، والاسمانِ حالانِ يَصِفانِ هَيئةَ الأخذ، فالأخذُ نَفسُه يَصيرُ بُهتاناً وإثماً. والبُهتانُ من ب-ه-ت، الكَذِبُ الذي يَبهَتُ مَن يُواجَهُ بِه فيَقِفُ مُتَحَيِّراً لا يَجِدُ جَواباً، ومنه في الكِتابِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾، أي انقَطَعَ فلم يُحِرْ جَواباً.

وأظهَرُ ما يُحمَلُ عَلَيه «البُهتانُ» هُنا ما تَقتَضيه الآيةُ السّابِقة، فقد جَعَلَت الوَجهَ الوَحيدَ الذي يُرفَعُ بِه النَّهيُ عن العَضلِ «أن يَأتينَ بِفاحِشةٍ مُبَيِّنة»، فمَن أرادَ أن يَأخُذَ مِمّا أعطى بِغَيرِ طيبِ نَفسٍ من المَرأةِ لم يَجِدْ طَريقاً إلّا أن يَرمِيَها بِما يَرفَعُ عَنه النَّهي، فإن لم تَكُن فاحِشةٌ مُبَيِّنةٌ صارَت الدَّعوى بُهتاناً يَبهَتُ المَرأةَ بِما لم تَفعَل. والأخذُ في نَفسِه يُكَذِّبُ العَطاءَ الذي سُمِّيَ في أوَّلِ السّورةِ «نِحلة»، أي عَطِيّةً خالِصةً بلا عِوَض، فاستِرجاعُه نَقضٌ لِعَطاءٍ خَرَجَ خالِصاً.

و«إثماً» من أ-ث-م، والإثمُ ثِقلٌ يَبقى على صاحِبِه بَعدَ الفِعلِ فيُبطِئُه، ومنه «الآثِم» المُثقَلُ بِما فَعَل، و«ناقةٌ آثِمة» مُبطِئةٌ في سَيرِها. و«مُبيناً» ظاهِراً يَبينُ لِكُلِّ ناظِر، من ب-ي-ن، وهو الجِذرُ الذي وُصِفَت بِه الفاحِشةُ في الآيةِ السّابِقة: «مُبَيِّنة». فالآيَتانِ تَضَعانِ ظُهورَينِ مُتَقابِلَين: فاحِشةٌ مُبَيِّنةٌ من جِهةِ المَرأةِ هي وَحدَها ما يَرفَعُ النَّهيَ عن العَضل، وإثمٌ مُبينٌ من جِهةِ الرَّجُلِ إذا أخَذَ مِمّا أعطى بِغَيرِها.


حَصيلة

تَفتَرِضُ الآيةُ إرادةَ فِراقٍ من جِهةِ الرِّجال: «استِبدالَ زَوجٍ مَكانَ زَوج»، من ب-د-ل، طَلَبَ أن يوضَعَ شَيءٌ في مَوضِعِ شَيء، وتُسَمّي المَرأتَينِ بِاسمٍ واحِد، «زَوج»، من ز-و-ج، شَطراً من شَفعٍ كما سَمّى أوَّلُ السّورةِ قَرينَ النَّفسِ الأُولى. ثُمَّ تَفرِضُ أعظَمَ العَطاء، «قِنطاراً»، وتَنهى عن أخذِ «شَيءٍ» مِنه، من أ-خ-ذ، فيَقِفُ أكبَرُ ما يُعطى أمامَ أصغَرِ ما يُؤخَذ. وتُسَمّي الأخذَ بِحالَينِ تَصحَبانِه: «بُهتاناً»، من ب-ه-ت، كَذِباً يَبهَتُ مَن يُرمى بِه، وأظهَرُ وَجهِه هُنا دَعوى فاحِشةٍ لم تَقَع، إذ لا يُرفَعُ النَّهيُ عن العَضلِ إلّا بِفاحِشةٍ مُبَيِّنة، و«إثماً مُبيناً»، من أ-ث-م، ثِقلاً ظاهِراً يَبقى على الآخِذ. فالظُّهورُ الذي اشتُرِطَ في فاحِشةِ المَرأةِ يَنتَقِلُ في هذه الآيةِ إلى إثمِ الرَّجُلِ إذا أخَذَ بِغَيرِ تِلكَ الفاحِشة.