النصر · الآية 1

﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ

«إذا» لا «إن»: تَوقيتُ المَوعِد، لا تَعليقُه

في العربيّةِ فَرقٌ بَيِّنٌ بين الأداتَين: «إن» للشَّرطِ على احتمالٍ قد يَقعُ وقد لا يَقع، و«إذا» للظَّرفِ الزَّمانيِّ على ما هو مَعلومُ الوُقوع، والمَجهولُ مِنه توقيتُه وَحدَه. ف«إن جاءَ نَصرُ الله» تَترُكُ بابَ الشَّكّ مَفتوحاً، أمّا «إذا جاءَ نَصرُ الله» فَتُغلِقُه، والمَجيءُ مَحسومٌ في غَيب، وما عَلى السامعِ إلّا أن يُحسِنَ استقبالَ ساعتِه.

وقد حَمَلَت البَقَرةُ هذا الانتِظارَ في سُؤالِ المُتَعَجِّل: مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾، والسؤالُ هناك في «مَتى»، والجوابُ هنا في «إذا»، والأوّلُ يَستَفهِمُ عن المَوعد، والثاني يَأمُرُ بالاستعدادِ لمَوعدٍ قائم. ومَنِ انتظَرَ نَصرَ اللهِ بـ«إن» احتاطَ لِنَفسِه، ومَنِ انتظَرَه بـ«إذا» تَهَيَّأَ لاستقبالِ ساعتِه.

«نَصرُ اللهِ»: عَونٌ عَموديٌّ على بِنيةٍ صَمَدَت

و«النَّصر» في جذرِه (ن ص ر) اختراقُ صلابةٍ بصلابةٍ من فَوق، ولا يَقِفُ عِندَ مَعنى الغَلَبَة، ومنه «نَصَرَ السَّماءَ المَطرُ» إذا أَعانَها من فَوقِها، و«النَّصَر» المَطَرُ يَنزِلُ على الأرضِ المُجدِبة. فالنَّصرُ عَونٌ يَنزِلُ عَموديّاً على ما هو قائمٌ يَنتظِر، ولا يَنزِلُ على غائبٍ ولا على مُنهَزِمٍ في الأرض، ومَحَلُّه مَن صَمَدَ في مَكانِه حتى نَزَلَ عليه السَّنَدُ من فَوقه.

وإضافةُ «نَصر» إلى «اللهِ» تُحدِّدُ المَنبَع، فهو نَصرُ الاسم الذي افتُتِحَ به الكتاب، وليس نَصرَ القَبيلة، ولا نَصرَ السَّيفِ وَحدَه، ولا نَصرَ الأَسبابِ المَحسوسَة. وهذه الإضافةُ تَنفي ما تَوهَّمَه القَلبُ في طَريقِ الانتظار من أنّ النَّصرَ ثَمَرةُ سَعيهِ وَحدَه، فالنَّصرُ يُضافُ إلى الله، ولا يُضافُ إلى مَن طَلَبَه.

ولذلك تَختِمُ البَقَرةُ نَفسَها بِدُعاءِ الجَماعةِ التي صَمَدَت فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾، وفيه يُطلَبُ النَّصرُ من مَنبَعِه، وهو هنا يَنزِلُ من ذلك المَنبَعِ في صيغةِ ماضٍ مُحقَّق، وما طُلِبَ في خاتمةِ البَقَرَةِ يُسَلَّمُ في فاتحةِ النَّصر، والطَّلَبُ يَختِمُ سورةً طَويلة، والجَوابُ يَفتَحُ سورةً قَصيرة.

«والفَتح»: انكِسارُ الإغلاق، لا حَدَثٌ بِعَينِه

والجذرُ ف-ت-ح في اللسانِ العربيِّ يَدلّ على انكسارِ ما كان مُغلَقاً، فيُفتَحُ البابُ الذي كان مُوصَداً، وتُفتَحُ الأرضُ التي كانت مَمنوعة، ويُفتَحُ القَلبُ الذي كان مُنغَلِقاً على نَفسِه. ولذلك جاءَ «الفَتح» في الآيةِ مُعرَّفاً بأل لا مُضافاً ولا مُنَكَّراً: الفَتح، اسماً قائماً بِنفسه يَعرفُ السامعُ أيَّ فَتحٍ يُقصَدُ به، لأنّ الانفِراجَ المَوعودَ كان في انتظارِ ساعتِه.

و«الفَتحُ» في الاستِعمالِ الشَّائِعِ يُحمَلُ على حَدَثٍ بَعَينِه، غَيرَ أنَّ اللَّفظَ في جِذرِه أَوسَع، فكلُّ بابٍ كان مُغلَقاً ثمّ انكسَرَ إغلاقُه يَدخلُ في «الفَتح»: فَتحُ البَلَد، وفَتحُ القَلبِ على الكَلِمة، وفَتحُ الأُمّةِ بَعد عُسر. والآيةُ تَجمعُ هذه الفُتوحَ في كلمةٍ واحدةٍ مَعرفة، لأنّ الذي يَنكَسِرُ من الإغلاقِ في ساعةٍ واحدةٍ يَنكَسِرُ كلُّه مَعاً.

وقد سَمِعَت البَقَرةُ هذا الجذرَ على وَجهٍ آخَر، حين قالَ بَعضُ بَني إسرائيلَ لبعضٍ: أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾، و«الفَتح» هناك إفاضةُ عِلمٍ من فَوقٍ على قَلبٍ كان مُغلَقاً، وهو هنا إفاضةُ نُصرَةٍ من فَوقٍ على بِنيةٍ كانت مَحاصَرة، والجذرُ واحد والمَحَلُّ يَختلِف، وكلُّ ما كان مَكتوماً وَجَدَ في «الفَتح» انفِراجَه.

قِراناتُ النَّصرِ بالفَتح: لمَ جاءَ الاثنانِ مَعاً

قَرَنَت الآيةُ الاثنَين، وعُدِلَ فيها عن إفرادِ «إذا جاءَ نَصرُ اللهِ» وإفرادِ «إذا جاءَ الفَتحُ» إلى الجَمعِ بينهما. ولهذا القِرانِ مَعنىً عَميق، فالنَّصرُ والفَتحُ صِنوانِ لا يَنفَكّ أحدُهما عن الآخَر: لا نَصرٌ من فَوقٍ بلا انكسارِ إغلاقٍ في الأرض، ولا انكسارُ إغلاقٍ في الأرضِ يَستَقيمُ بِغيرِ سَنَدٍ من فَوق، والأوّلُ يُسنِدُ القائم، والثاني يَفتَحُ الطريقَ للقادم.

ومَن أصغى إلى الآيةِ سَمِعَ بِنيَتَها: شَرطٌ زَمانيٌّ بـ«إذا»، وفِعلٌ ماضٍ مُؤكِّدٌ للوُقوع، ومَجيئانِ مَعطوفان، وهذا التَّركيبُ كلُّه يَأتي قبل الجَوابِ في الآيةِ التالية. والآيةُ تُهَيِّئُ القارئَ المُنتَظِرَ لِسُؤالٍ عمّا يَفعَلُه المُنتَصِرُ ساعةَ النَّصر، وجَوابُه فيما لم يَكُن يَخطُرُ لَه، وليس فيما تَوَقَّع: ساعةَ النَّصرِ يَنزِلُ أمرٌ لا يُشبِهُ النَّصر.


حَصيلة

تَفتَتِحُ الآيةُ بـ«إذا» دونَ «إن»، فهي تَوقيتٌ لما هو واقعٌ لا مَحالة، وليست شَرطاً مُعَلَّقاً على احتمال. والفَرقُ في العَرَبيّةِ بَيِّنٌ بَين الأَداتَين: «إن» تُعَلِّقُ الجُملةَ على احتمالٍ قد يَقَعُ وقد لا يَقَع، و«إذا» تُعَلِّقُها على ظَرفٍ زَمانيٍّ مَعلومِ الوُقوعِ مَجهولِ التَّوقيت. ثُمّ يَأتي الفِعلُ في الماضي «جاءَ» تَأكيداً ثانياً، وقد عُدِلَ فيه عن «يَأتي» و«سَيَأتي» إلى «جاءَ»، فوُضِعَ المَجيءُ في صيغةٍ تامّةٍ كأنَّه قد وَقَع. والذي جاءَ اثنان، وليس سَهماً واحداً: «نَصرُ اللهِ» و«الفَتح». والنَّصرُ في جذرِه (ن-ص-ر) اختراقُ صَلابةٍ بصَلابةٍ من فَوق، زِيادةً على الغَلَبَة؛ ومنه «نَصَرَ السَّماءَ المَطرُ» إذا أَعانَها، و«النَّصَر» المَطَرُ يَنزِلُ على الأَرضِ المُجدِبة. فالنَّصرُ عَونٌ يَنزِلُ عَموديّاً على ما هو قائمٌ يَنتَظِر، لا على غائبٍ ولا على مُنهَزِمٍ. وإضافةُ «نَصر» إلى «اللهِ» تُحَدِّدُ المَنبَع، فهو نَصرُ الاسمِ الذي افتُتِحَ به الكتاب، وليس نَصرَ القَبيلةِ ولا نَصرَ السَّيفِ ولا نَصرَ الأَسبابِ المَحسوسة. أمّا «الفَتح» في جذرِه (ف-ت-ح) فهو انكسارُ ما كان مُغلَقاً، وقد جاءَ مُعَرَّفاً بأل لا مُضافاً ولا مُنَكَّراً: الفَتح، اسماً قائماً بنَفسِه يَعرفُ السامعُ أَيَّ فَتحٍ يُقصَدُ به. والكَلِمةُ في جذرِها أَوسَعُ من فَتحِ بَلَدٍ بعَينِه، فكلُّ بابٍ كانَ مُغلَقاً ثُمّ انكسَرَ إغلاقُه يَدخُلُ في «الفَتح»: فَتحُ البَلَد، وفَتحُ القَلبِ على الكَلِمة، وفَتحُ الأُمّةِ بَعدَ عُسر. ولِذا قُرِنَ النَّصرُ بالفَتح، فلا نَصرٌ من فَوقٍ بلا انكِسارِ إغلاقٍ في الأَرض، ولا انكسارُ إغلاقٍ في الأَرضِ يَستَقيمُ بغَيرِ سَنَدٍ من فَوق، والأَوّلُ يُسنِدُ القائم، والثاني يَفتَحُ الطَّريقَ للقادم. وما طَلَبَتهُ خاتِمةُ البَقَرة فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ يُسَلَّمُ في فاتِحةِ النَّصر، والطَّلَبُ يَختِمُ سورةً طَويلة، والجَوابُ يَفتَحُ سورةً قَصيرة. والآيةُ تَقِفُ على عَتَبةِ جَوابِها، تُهَيِّئُ القارئَ لأَمرٍ لا يُشبِهُ النَّصرَ يَنزِلُ في الآيةِ التالية.