الإسراء · الآية 108

﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا

«وَيَقُولُونَ»: القَولُ يَتبَعُ السَّقطةَ ولا يَسبِقُها

والواوُ عاطِفةٌ على السُّقوطِ الذي قَبلَه، فالقَولُ لاحِقٌ بِالخُرورِ غَيرُ سابِقٍ عَلَيه، وقد انحَلَّ المُمسِكُ أوَّلاً ثُمَّ نَطَقَ اللِّسان.

و«يَقولون» مُضارِعٌ يَتَجَدَّدُ كما تَجَدَّدَ «يَخِرُّون»، والمُرادُ بِه حالٌ تَتَكَرَّر، غَيرُ حادِثةٍ وَقَعَت مَرّة.

وقد فُتِحَتِ الآيةُ التي قَبلَها بِـ«قُلْ»، والقَولُ هُناكَ مَأمورٌ بِه، وهو هُنا مَحكِيٌّ عمَّن لم يُؤمَر، والأمرُ يَحتاجُ إلى آمِر، والحِكايةُ لا تَحتاجُ إلّا إلى واقِع.

«سُبْحَانَ رَبِّنَا»: العَمودُ الذي تَقومُ عَلَيه السّورة

ووَرَدَ «سُبحان» في هذه السّورةِ أربَعَ مَرّات، وهذه آخِرُها، فهو لَفظٌ واحِدٌ يُنصَبُ في أوَّلِها ووَسَطِها وقُربِ خِتامِها، فيَصيرُ عَمودَها، ولا يَكونُ زينةً فيها.

وقد تَبَدَّلَ المُضافُ إلَيه في كُلِّ مَوضِع، وهو ها هُنا «رَبِّنا» بِنونِ الجَماعة، فتَحَوَّلَ التَّنزيهُ من لَفظٍ يَفتَتِحُ بِه الكِتابُ خَبَرَه إلى كَلامٍ في أفواهِ خارّينَ لِلأذقان، ونَزَلَ العَمودُ من صَدرِ السّورةِ إلى ألسِنةِ مَن سَمِعَها.

ومَدارُ س-ب-ح على جَريانٍ يَنفَتِحُ ثُمَّ يَخلُصُ نَقِيّاً مِمّا مَرَّ بِه، فالتَّسبيحُ تَخلِيةُ المَجرى. وقد خُلِّيَ المَجرى في المَطلَعِ قَبلَ خَبَرٍ عَجيبٍ يُقال، ويُخَلّى هُنا قَبلَ إقرارٍ بِوَعد، وأوَّلُ ما يُقالُ بَعدَ السَّقطةِ نَفيٌ، لا دَعوى.

«رَبِّنَا» مَرَّتَينِ: كَلِمةٌ واحِدةٌ تَحمِلُ الطَّرَفَين

وتُعادُ الكَلِمةُ في الآيةِ الواحِدة: «سُبحانَ رَبِّنا» ثُمَّ «وَعدُ رَبِّنا»، وعُدِلَ في الثّانِيةِ عن الاختِصارِ بِـ«وَعدُه» إلى إعادةِ الاسمِ كامِلاً بِإضافَتِه.

فالتَّنزيهُ والوَعدُ مُعَلَّقانِ بِمَحَلٍّ واحِد، والذي نُزِّهَ هو الذي وَعَد، والذي وَعَدَ هو الذي نُزِّه.

والرَّبُّ من ر-ب-ب، وأصلُه جَريانٌ مُتَّصِلٌ يَتَمَسَّكُ بِمَن يَجري فيه ويُديمُ تَمَسُّكَه، فالوَعدُ المُضافُ إلى هذا الاسمِ شَيءٌ في مَجرىً ما زالَ جارِياً، وليسَ كَلِمةً قيلَت ثُمَّ تُرِكَت لِلزَّمَن. ونونُ «نا» تَضُمُّهُم إلى ذلك المَجرى، وقد آثَروا «رَبِّنا» على «الرَّبّ»، ومَن نَزَّهَ رَبَّه لم يُبعِدْه، وإنَّما نَزَّهَ ما هو مُتَعَلِّقٌ بِه.

«إِن كَانَ»: إنِ المُخَفَّفةُ واللّامُ التي تَفصِلُها عن الشَّرط

و«إن» ها هُنا غَيرُ شَرطِيّة، إذ لَو كانَت شَرطاً لَطُلِبَ لَها جَواب، ولا جَوابَ في الآية. والذي بَعدَها «كانَ» بِاسمِها وخَبَرِها، وهو بِناءٌ يَقَعُ في الشَّرطِ أيضاً، فالفَيصَلُ في غَيرِه.

والعَلامةُ القاطِعةُ حَرفٌ واحِدٌ هو اللّامُ في «لَمَفعولاً»، وهي اللّامُ الفارِقةُ التي تَلزَمُ خَبَرَ «إنْ» إذا خُفِّفَت عن الثَّقيلة، ووَظيفَتُها أن تَفرِقَ بَينَ التَّوكيدِ والنَّفي، فالمَعنى إثباتٌ مُشَدَّد، لا تَعليقٌ على احتِمال.

فمَعنى ما قالَه هؤُلاءِ: إنَّ وَعدَ رَبِّنا لَواقِع، وليسَ مَعناه «إن يَكُنِ الوَعدُ فسَيَقَع»، وحَرفٌ واحِدٌ يَقلِبُ الشَّكَّ يَقيناً، ومَن قَرَأَ اللّامَ لم يَبقَ لَه في «إن» تَرَدُّد.

«لَمَفْعُولًا»: الوَعدُ يُوصَفُ بِما يُفعَلُ بِه

و«مَفعولاً» اسمُ مَفعول، فالوَعدُ في هذا الخَبَرِ يُوصَفُ بِأنَّه واقِعٌ عَلَيه فِعل، ولا يُوصَفُ بِصِدقٍ ولا بِتَحَقُّق، ولم يُذكَرْ فاعِلٌ حَتّى في هذا المَوضِع.

والفِعلُ من ف-ع-ل، ومَدارُه على نَفاذٍ يَقبِضُ على ما يُحدِثُه ثُمَّ يَتَعَلَّقُ بِأثَرِه، فالمَفعولُ ما قُبِضَ عَلَيه ونُفِذَ فيه، والوَعدُ على هذا مادّةٌ في يَدِ فاعِل، غَيرُ خَبَرٍ يُنتَظَرُ صِدقُه.

وقد وَرَدَ هذا اللَّفظُ في السّورةِ مَرّةً واحِدةً قَبلَ هذه: وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا﴾، وهو هُناكَ خَبَرٌ يُساقُ عن وَعدٍ مَضى، وهُنا قَولٌ يُحكى عمَّن أقَرَّ بِه، والكَلِمَتانِ نَفسُهُما في طَرَفَي السّورة، مَرّةً في فَمِ الكِتابِ ومَرّةً في فَمِ السّامِع. وفي السّورةِ وَعدٌ يَجيء: فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا﴾، فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾، ثُمَّ يَجيءُ هُنا فيُذكَرُ أنَّه مَعمولٌ بِه، ويُسكَتُ عن مَجيئِه. والوَعدُ الذي يُنتَظَرُ يُقالُ فيه «إذا جاء»، والوَعدُ الذي عُرِفَ يُقالُ فيه «مَفعولاً».


حَصيلة

الواوُ في «ويَقولون» تَعطِفُ القَولَ على السُّقوط، فاللِّسانُ تابِعٌ لا سابِق، والمُضارِعُ يُجَدِّدُ الحالَ كما جَدَّدَها «يَخِرُّون». وأوَّلُ ما نَطَقوا بِه «سُبحان»، رابِعةُ مَواقِعِ اللَّفظِ في السّورةِ وآخِرُها، فالعَمودُ الذي أُقيمَ في المَطلَعِ يَنتَهي هُنا مَحكِيّاً في أفواهِ مَن سَمِع. و«رَبِّنا» تُعادُ كامِلةً بِإضافَتِها فيَجتَمِعُ التَّنزيهُ والوَعدُ على مَحَلٍّ واحِد، والرَّبُّ في جَذرِه جَريانٌ يَتَمَسَّكُ ويَدوم، فالوَعدُ المُضافُ إلَيه في مَجرىً لم يَنقَطِع. و«إن» مُخَفَّفةٌ من الثَّقيلةِ غَيرُ شَرطِيّة، والدَّليلُ لامُ «لَمَفعولاً» الفارِقة، فالجُملةُ إثباتٌ لا تَعليق. و«مَفعولاً» اسمُ مَفعول، والوَعدُ مَوصوفٌ بِما وَقَعَ عَلَيه، لا بِصِدقٍ يُصَدَّقُ ولا بِفاعِلٍ يُسَمّى. وقد قيلَ اللَّفظُ في صَدرِ السّورةِ خَبَراً، فعادَ في خِتامِها قَولاً، والآيةُ تُنَزِّهُ أوَّلاً ثُمَّ تُثبِت، ولا تَذكُرُ في إثباتِها إلّا ما فُعِل.