الإسراء · الآية 107

﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا ۚ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا ۚ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا

«آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا»: أمرٌ وضِدُّه في نَفَسٍ واحِد

أمرٌ، ثُمَّ نَقيضُه مَعطوفاً عَلَيه. «آمِنوا» ثُمَّ «أو لا تُؤمِنوا». والشِّقّانِ يَستَغرِقانِ كُلَّ ما يُمكِنُ أن يَصدُرَ عن سامِع، فلا يَبقى بَعدَهُما مَوقِفٌ ثالِثٌ يُخالَفُ بِه.

وما لا يُمكِنُ عِصيانُه لا يَكونُ طَلَباً. الأمرُ إنَّما يَصيرُ أمراً حينَ يُمكِنُ رَدُّه، وهذا مَردودُه داخِلٌ فيه. بَقِيَت صيغةُ الطَّلَبِ وذَهَبَ عَمَلُها، فما في اليَدِ تَخلِيَةٌ لا مُطالَبة.

وانظُرْ ما لم يَجِئْ بَعدَهُما. لا وَعيدَ ولا جَزاءَ ولا حَثَّ على أحَدِ الشِّقَّين. جاءَت «إنَّ» فصَرَفَتِ الكَلامَ عن المُخاطَبِ إلى شاهِدٍ لا يَتَوَقَّفُ عَلَيه. مَن رُفِعَ عنه الطَّلَبُ رُفِعَ عنه أن يَكونَ مَدارَ الأمر.

«الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ»: عَطاءٌ لا يُذكَرُ مُعطيه

«أُوتوا» مَبنِيٌّ لِلمَجهول. لم يَأخُذوا العِلمَ، بَل أُوتُوه. فهُم في الجُملةِ مَفعولٌ بِهِم لا فاعِلون، والفِعلُ الوَحيدُ الذي يَصدُرُ عَنهُم مُؤَخَّرٌ إلى آخِرِ الآية.

وهذا صَنيعُ السّورةِ كُلَّما بَنَتِ الإيتاءَ لِلمَجهول. فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾، ووَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. ثَلاثةُ مَواضِعَ يُبنى فيها الإيتاءُ لِلمَجهولِ في السّورة، ولا مُعطِيَ مَذكوراً في واحِدٍ مِنها.

والعِلمُ من ع-ل-م: بُروزٌ يَطفو من العُمقِ فيُحازُ ثُمَّ يَنضَمُّ في المَعرِفة. فالذي وُضِعَ فيهِم شَيءٌ بَرَزَ فيهِم قَبلَ هذا، لا مَعلوماتٌ حَصَّلوها. ولم تُسَمِّ الآيةُ هؤُلاءِ ولا حَدَّت مِلَّتَهُم ولا عَدَّتْهُم؛ وَصَفَتْهُم بِما وَقَعَ بِهِم لا بِما يُنادَونَ بِه. وهكذا افتُتِحَتِ السّورةُ أيضاً: بِعَبْدِهِ﴾، نِسبةٌ في مَوضِعِ الاسم. تُختَمُ السّورةُ كما فُتِحَت، بِوَصفٍ يُغني عن التَّسمِيَة.

«مِن قَبْلِهِ»: قَبلِيّةٌ تُذكَرُ ولا تُؤَرَّخ

«قَبلَ» رُتبةٌ في الزَّمَنِ لا وَقتٌ فيه. لم تَقُلِ الآيةُ بِكَم سَبَق، ولا في أيِّ عَصرٍ كان. قالَت «مِن قَبلِه» ووَقَفَت.

والقَبلُ من ق-ب-ل: عَقدٌ يَلتَئِمُ ويَتَعَلَّقُ بِما وَراءَه فيَمتَدُّ إلَيه. فالقَبلِيّةُ في أصلِ الجَذرِ وَصلٌ لا انفِصال: حَدٌّ يُضرَبُ ويَبقى مَشدوداً إلى ما خَلفَه.

والهاءُ في «بِهِ» هي الهاءُ في «قَبلِهِ». فالذي دُعِيَ الأوَّلونَ إلى الائتِمانِ بِه هو نَفسُه الذي سَبَقَ عِلمُ هؤُلاءِ إلَيه. عِلمٌ ثَبَتَ قَبلُ، فلَمّا سَمِعَ لم يُنازِعْ. القَديمُ ها هُنا لا يُخاصِمُ الجَديد، بَل يَسقُطُ لَه.

«إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ»: تِلاوةٌ بِلا تالٍ

«يُتلى» مَبنِيٌّ لِلمَجهولِ هو الآخَر. لا يُسَمّى تالٍ ولا يُشارُ إلَيه. والتِّلاوةُ تَقَعُ «عَلَيهِم»، وحَرفُ الاستِعلاءِ يَجعَلُ المَتلُوَّ نازِلاً عَلَيهِم لا مَبسوطاً بَينَ أيديهِم.

وقد قيلَ قَبلَ آيَةٍ واحِدة لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ﴾: قِراءةٌ لَها فاعِلٌ مُخاطَبٌ وسامِعٌ عامّ. وهُنا يَنقَلِبُ الطَّرَفان؛ يَغيبُ الفاعِلُ ويَضيقُ السّامِعُ إلى فَريقٍ مَوصوف. لم يَبقَ في الصّورةِ إلّا المُتَلَقّي وما يَنزِلُ عَلَيه.

والتِّلاوةُ من ت-ل-و: وَقعٌ دَقيقٌ يَتَعَلَّقُ بِما قَبلَه، خُطوةٌ تَقَعُ في أثَرِ خُطوة. ومنه «تَلا الشَّيءَ» تَبِعَه فلَزِمَ أثَرَه. فالمَتلُوُّ يَجري عَلَيهِم مُتَتابِعاً لا مُتَقَطِّعاً، و«إذا» تَجعَلُه مُتَوَقَّعاً كُلَّما وَقَع.

«يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ»: اللّامُ لا «على»، والذَّقَنُ لا الوَجه

لم يَقُلْ «على الأذقان». قالَ «لِلأذقان». و«على» تُعَيِّنُ سَطحاً يُستَقَرُّ عَلَيه، واللّامُ تُعَيِّنُ الجِهةَ التي إلَيها يَنتَهي الهُوِيّ. فالمَذكورُ وِجهةُ السُّقوطِ لا مَوضِعُ الاستِقرارِ بَعدَه.

و«يَخِرُّون» من خ-ر-ر: انحِلالُ ما كانَ مُمسِكاً فيَنسابُ ولَه صَوت. ومنه «خَرَّ الماءُ» جَرى فسُمِعَ جَريانُه، و«الخَرير» ذلك الصَّوتُ نَفسُه، و«خَرَّ البِناءُ» تَخَلخَلَ عن قِيامِه فسَقَط. فالسُّقوطُ في هذا الجَذرِ لَيسَ وَضعَ الجَسَدِ بِتَدبير، بَل تَخَلٍّ عن الإمساك. لم يَنزِلوا؛ ذَهَبَ عَنهُم ما كانَ يُقيمُهُم.

والذَّقَنُ مُجتَمَعُ اللَّحيَينِ في أسفَلِ الوَجه، وهو أنتَأُ ما فيه من تَحت. ولو أرادَتِ الآيةُ الهَيئةَ التامّةَ لَذَكَرَتِ الجَبهةَ أو الوَجه؛ وإنَّما ذَكَرَتِ الطَّرَفَ الذي يَتَقَدَّمُ أوَّلاً حينَ يَنحَدِرُ الرَّأس. صورةُ الانحِدارِ وهو يَقَع، لا صورةُ الجَسَدِ وقد وَقَع.

«سُجَّدًا»: حالٌ تُخبِرُ ولا تَأمُر

«سُجَّداً» جَمعُ ساجِد، حالٌ من واوِ «يَخِرُّون». فالسُّجودُ وَصفٌ لِسُقوطِهِم نَفسِه، لا فِعلٌ ثانٍ يَعقُبُه. سَقطةٌ واحِدةٌ تُسَمّى بِاسمَينِ في آنٍ واحِد.

و س-ج-د سَيَلانٌ يَتَجَمَّعُ في حَيِّزٍ ثُمَّ يَثبُتُ في أدنى نُقطة. وهو الجَذرُ الذي بُنِيَ عَلَيه طَرَفا الرِّحلةِ في مَطلَعِ السّورة: مَسجِدٌ ومَسجِد. كانَ هُناكَ مَوضِعاً يُسارُ إلَيه، وصارَ هُنا حالاً تَقَعُ في صاحِبِها حَيثُ هو.

والجُملةُ من أوَّلِها خَبَرٌ لا أمر: «إنَّ الَّذينَ أُوتُوا العِلمَ... يَخِرُّون». وهذا يُلائِمُ صَدرَ الآيةِ أتَمَّ مُلاءَمة؛ رُفِعَ الطَّلَبُ في أوَّلِها، فجاءَ في آخِرِها ما يَقَعُ بِغَيرِ طَلَب. الأمرُ يُرَدُّ، والوُقوعُ لا يُرَدّ.


حَصيلة

تَبدَأُ الآيةُ بِأمرٍ ونَقيضِه مَعطوفَينِ بِـ«أو»، فيَستَغرِقانِ كُلَّ ما يَقدِرُ السّامِعُ عَلَيه ويَسقُطُ مَعنى الطَّلَبِ مِن صيغَتِه. ثُمَّ يَنصَرِفُ الكَلامُ إلى «الَّذينَ أُوتُوا العِلمَ»، مَبنِيّاً لِلمَجهولِ كما بُنِيَ في مَوضِعَينِ آخَرَينِ من السّورة، فلا مُعطِيَ مُسَمّىً ولا آخِذين. ولم يُسَمَّ القَومُ ولم تُحَدَّدْ مِلَّتُهُم، كما لم يُسَمَّ في مَطلَعِ السّورةِ صاحِبُ أعلى مَقامٍ فيها. و«مِن قَبلِه» رُتبةٌ بِلا تاريخ، والقَبلُ في جَذرِه حَدٌّ يَبقى مُتَعَلِّقاً بِما وَراءَه. و«يُتلى عَلَيهِم» فِعلٌ بِلا تالٍ، بَعدَ آيةٍ كانَ فيها التّالي مُخاطَباً والسّامِعُ عامّاً. ثُمَّ «يَخِرُّون»، و خ-ر-ر انحِلالُ المُمسِكِ لا وَضعُ الجَسَد؛ واللّامُ في «لِلأذقان» تُعَيِّنُ جِهةَ الهُوِيِّ لا سَطحَ الوُقوع؛ والذَّقَنُ أوَّلُ ما يَسبِقُ إذا انحَدَرَ الرَّأس. و«سُجَّداً» حالٌ تُسَمّي السَّقطةَ لا تَأمُرُ بِها. آيةٌ رَفَعَت عن سامِعِها المُطالَبةَ ثُمَّ أرَتْه ما يَقَعُ حَيثُ لا مُطالَبة.