الإسراء · الآية 109

﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ۩﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ۩

«وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ»: سَقطةٌ ثانِيَةٌ بِلَفظِ الأولى

تُعادُ الجُملةُ بِحُروفِها، فقد قيلَ قَبلَ آيَتَينِ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾، ويُقالُ ها هُنا «ويَخِرُّونَ لِلأذقان» مِن غَيرِ حَرفٍ يُبَدَّل، فاللّامُ باقِيةٌ ولم تَصِرْ «على»، والذَّقَنُ باقٍ ولم يَصِرْ وَجهاً.

وليسَ هذا تَكراراً في مَوضِعِه، فالمُكَرَّرُ في الكِتابِ إذا عادَ عادَ لِيَحمِلَ غَيرَ ما حَمَل، والذي تَبَدَّلَ هُنا ما بَعدَ السَّقطةِ، لا السَّقطةُ نَفسُها، وقد أُعيدَ الفِعلُ لِيُوضَعَ تَحتَه وَصفٌ آخَر.

و«يَخِرُّون» من خ-ر-ر، وأصلُه انحِلالُ ما كانَ مُمسِكاً فيَنسابُ ولَه صَوت، والصَّوتُ في الجَذرِ من أوَّلِه، ومِنه الخَريرُ لِصَوتِ الماءِ إذا جَرى، فلَمّا أُعيدَ الفِعلُ ثانِيةً جاءَ ما يُسَمّي ذلك الصَّوت.

«يَبْكُونَ»: حالٌ تَحُلُّ مَحَلَّ حالٍ

كانَتِ الحالُ في المَوضِعِ الأوَّلِ اسماً هو «سُجَّداً»، وهي في هذا المَوضِعِ فِعلٌ مُضارِعٌ هو «يَبكُون»، والاسمُ يُثبِتُ هَيئة، والمُضارِعُ يُجَدِّدُ حَدَثاً، فالسَّقطةُ الواحِدةُ وُصِفَت مَرّةً بِما هي عَلَيه، ومَرّةً بِما يَجري فيها.

والبُكاءُ من ب-ك-ي، ومادّتُه ما كانَ مُنفَتِحاً فكُتِمَ واحتُبِس، ثُمَّ امتَدَّ فسالَ لَيِّناً مُتَّصِلاً، فهو خُروجُ مَحبوسٍ، غَيرُ افتِعالِ صَوت، ومِنه «بَكَتِ السَّحابةُ» إذا أرسَلَت ما حَمَلَت.

فالجَذرانِ مُتَجاوِرانِ في الصّورةِ الواحِدة: خ-ر-ر انحِلالُ ما يُمسِكُ البَدَن، و ب-ك-ي انفِراجُ ما يُمسِكُ العَين، والقامةُ والعَينُ تَفعَلانِ شَيئاً واحِداً في وَقتٍ واحِد، وهو نُزولُ ما لم يَعُدْ يُمسَك، أعلاهُ وأدناه.

«وَيَزِيدُهُمْ»: فاعِلٌ لا يُسَمّى، وفِعلٌ سَبَقَ في السّورة

وفاعِلُ «يَزيدُهُم» غَيرُ مَذكور، وهو يَعودُ إلى المَتلُوِّ الذي تَقَدَّمَ ذِكرُه: إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ﴾، فما نَزَلَ عَلَيهِم هو الذي أسقَطَهُم، وهو الذي يَزيدُهُم.

وقد جاءَ هذا الفِعلُ بِعَينِه في هذه السّورةِ من قَبل، بِضَميرِه نَفسِه وبِفاعِلِه المُضمَرِ نَفسِه: وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾، واللَّفظُ واحِدٌ والتَّركيبُ واحِد، والمَنصوبُ بَعدَه يَختَلِف: نُفورٌ هُناكَ وخُشوعٌ هُنا.

فالمَسموعُ واحِد، والزِّيادةُ واقِعةٌ في الحالَين، وقد حُصِرَتِ الزِّيادةُ في المَوضِعِ الأوَّلِ في النُّفور، ولم يُنفَ فيه أنَّه يَزيدُهُم. والمَتلُوُّ يَزيدُ دائِماً، والذي يَختَلِفُ هو الوِعاء، فيَختَلِفُ ما يَمتَلِئُ بِه.

و ز-ي-د مَدارُه على ما يُكتَنَزُ فَوقَ ما كانَ ويُضغَطُ عَلَيه، ثُمَّ يُحبَسُ مَعَه ثابِتاً فلا يَخرُج، فالزِّيادةُ في أصلِها ما يُضافُ فيُقيم. والسَّماعُ ها هُنا يُضيفُ إلى صاحِبِه ويَستَقِرّ، ولا يَستَنفِدُه، وما يُنقِصُ صاحِبَه ليسَ زِيادةً وإن سُمِّيَ زِيادة.

«خُشُوعًا»: مُنَكَّرٌ يُزادُ ولا يُحَدّ

و«خُشوعاً» نَكِرةٌ مَنصوبةٌ لِبَيانِ ما وَقَعَتِ الزِّيادةُ فيه، ولَو عُرِّفَ لَصارَ قَدراً مَعلوماً يُبلَغُ ويُوقَفُ عِندَه، وقد جاءَ مُنَكَّراً فبَقِيَ مَفتوحَ الطَّرَف.

والخُشوعُ من خ-ش-ع، وهو اختِراقٌ يَتَفَشّى ويَنتَشِرُ دَقيقاً ثُمَّ يَظهَرُ أثَرُه من العُمق، فهو سُكونُ ما كانَ مُتَضاغِطاً في الباطِن، كما تَخشَعُ الأرضُ فتَهدَأُ بَعدَ اضطِرابِها. وهذا يُلائِمُ الصّورةَ كُلَّها: بَدَنٌ انحَلَّ عن إمساكِه، وعَينٌ أرسَلَت ما حَبَسَت، وباطِنٌ سَكَنَت ضَوضاؤُه، فهي ثَلاثةٌ تَنزِلُ مَعاً، والثّالِثُ وَحدَه هو الذي يَزيد.

«۩»: عَلامةٌ في المُصحَفِ عِندَ هذه الآية

وفي رَسمِ المُصحَفِ عَلامةُ سَجدةٍ عِندَ خِتامِ هذه الآية، وهي واقِعةٌ في الكِتابةِ تُذكَرُ كما هي.

والآيةُ نَفسُها لا تَأمُرُ أحَداً بِشَيء، وصيغَتُها خَبَرٌ من أوَّلِها إلى آخِرِها: يَخِرُّون، يَبكُون، يَزيدُهُم، فالعَلامةُ واقِعةٌ حَيثُ يَسقُطُ النَّصُّ بِنَفسِه، وهو مَوضِعٌ يَقولُ فيه الكَلامُ سُقوطاً، فيُوضَعُ عِندَه ما يُشيرُ إلى سُقوط.


حَصيلة

تُعادُ السَّقطةُ بِحُروفِها كما جاءَت قَبلَ آيَتَين، بِاللّامِ نَفسِها وبِالذَّقَنِ نَفسِه، ولا يَتَبَدَّلُ إلّا ما وُضِعَ تَحتَها من حال: كانَت اسماً «سُجَّداً» فصارَت فِعلاً «يَبكُون»، والاسمُ يُثبِتُ هَيئةً والمُضارِعُ يُجَدِّدُ حَدَثاً. و خ-ر-ر في أصلِه انحِلالُ المُمسِكِ ومَعَه صَوتٌ يَجري، فلَمّا أُعيدَ الفِعلُ سُمِّيَ الصَّوت. و ب-ك-ي انفِتاحُ ما كُتِمَ فسالَ لَيِّناً مُتَّصِلاً، فالقامةُ والعَينُ تُرسِلانِ مَعاً ما لم يَعُدْ يُمسَك. ثُمَّ «يَزيدُهُم» بِفاعِلٍ مُضمَرٍ يَعودُ إلى ما يُتلى عَلَيهِم، وهو الفِعلُ بِعَينِه الذي قيلَ في هذه السّورةِ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا، والمَسموعُ واحِدٌ والزِّيادةُ واقِعةٌ في الحالَينِ، وإنَّما يَختَلِفُ ما تَقَعُ فيه. و ز-ي-د ما يُكتَنَزُ فَوقَ ما كانَ فيَثبُتُ ولا يَخرُج، فالسَّماعُ يُضيفُ ولا يَستَنفِد. و«خُشوعاً» نَكِرةٌ بَقِيَت بِلا حَدٍّ يُبلَغُ فيُوقَفُ عِندَه، والخُشوعُ سُكونُ ما تَضاغَطَ في الباطِنِ يَظهَرُ أثَرُه من العُمق. وفي المُصحَفِ عَلامةُ سَجدةٍ عِندَ هذا المَوضِع، وهو مَوضِعٌ يَقولُ فيه النَّصُّ سُقوطاً مَرَّتَين.