الإسراء · الآية 93
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ»: المِلكُ الثّاني، ومادَّتُه
هذا ثاني ما يُطلَبُ مِلكاً، والأوَّلُ قَبلَه بِآيَتَين. والصّيغةُ واحِدة: فِعلٌ ناقِصٌ، ولامُ مِلك، ومَملوكٌ نَكِرة، ثُمَّ «مِن» تُبَيِّنُ المادّة.
وضَعِ المَملوكَينِ مُتَجاوِرَين. الأوَّلُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ﴾: جِذعٌ يَصعَدُ مُتَعَلِّقاً بِمَغرِسِه، وحَبٌّ يَقبِضُ ماءَه. وهذا بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ.
والزُّخرُفُ رُباعِيٌّ يَجتَمِعُ فيه اكتِنازٌ ظاهِرٌ وتَخَلخُلٌ تَحتَه، يَجري على السَّطحِ ويَتَفَرَّقُ فيه. فهو امتِلاءٌ في الرُّؤيةِ وخَواءٌ في الجَوف. طُلِبَ أوَّلاً مِلكٌ يَحبِسُ الماءَ في جَوفِه، ثُمَّ طُلِبَ مِلكٌ كُلُّه سَطح.
«أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ»: صُعودٌ على دَرَجات، و«في» لا «إلى»
الجِذرُ ر-ق-ي جَريانٌ يَحتَبِسُ ويَشتَدُّ فيَتَصاعَدُ على دَرَجات، ثُمَّ يَمتَدُّ. فالرُّقِيُّ لَيسَ وَثبةً ولا نَقلةً واحِدة، وإنَّما دَرَجةٌ بَعدَ دَرَجة.
وقيلَ فِي السَّمَاءِ لا «إلى السَّماء». و«إلى» تَنتَهي عِندَ الحَدّ، و«في» تُدخِلُ في الظَّرف. فالمَطلوبُ أن يَصيرَ العُلوُّ مَوضِعاً يَتَحَرَّكُ فيه، لا غايةً يَبلُغُها ثُمَّ يَقِف.
وهذا آخِرُ ما يُطلَب، وأعلاه. بَدَأتِ القائِمةُ بِشَقٍّ في الأرضِ تَحتَ القَدَم، وانتَهَت بِصُعودٍ في السَّماءِ فَوقَ الرَّأس. صَعِدَ الطَّلَبُ بَنداً بَعدَ بَند.
«وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ»: البَندُ يُنقَضُ في الجُملةِ التي طُلِبَ فيها
ثُمَّ يَقَعُ أعجَبُ ما في القائِمة. لم يَنتَظِرِ القَومُ حتّى يَرقى؛ نَقَضوا البَندَ وهُم يَكتُبونَه.
والعِبارةُ هي عَينُ ما فُتِحَت بِه القائِمة: لَن نُّؤْمِنَ بِلامِها، لا بِباء. اللّامُ تُوَجِّهُ التَّصديقَ إلى مَن يُعطاه، فأوَّلُ مَرَّةٍ وُجِّهَ إلى شَخصٍ لَكَ، وهنا وُجِّهَ إلى فِعلٍ صادِرٍ منه لِرُقِيِّكَ. أُضيفَ الصُّعودُ إليه ثُمَّ سُحِبَ منه ما يُساوي.
فالبَندُ الأخيرُ مَشروطٌ ومَردودٌ مَعاً. يُطلَبُ ولَو أُعطِيَ لم يُقبَل. ومَن رَدَّ الآيةَ قَبلَ أن يَراها فلَيسَ في الأمرِ آيةٌ تُرى.
«حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ»: شَرطٌ يُبنى فَوقَ شَرط
«حتّى» ثانِيةً. كانَ في أوَّلِ القائِمةِ حَدٌّ يُرفَعُ عِندَه المَنع، وهذا حَدٌّ يُوضَعُ فَوقَ الحَدّ. لا يَكفي أن يَصعَد؛ عَلَيهِ أن يَعودَ بِشَيءٍ في يَدِه.
والفِعلُ تُنَزِّلَ على فَعَّلَ من ن-ز-ل: خُروجٌ مُكتَنِزٌ يَتَعَلَّقُ بِمَحَلٍّ فيَستَقِرُّ فيه، والتَّضعيفُ يُفَرِّقُ الحَدَثَ على دَفَعات. فالحَرَكَتانِ مُتَقابِلَتان: رُقِيٌّ يَصعَدُ دَرَجةً دَرَجة، وتَنزيلٌ يَهبِطُ دَفعةً دَفعة.
والمَطلوبُ كِتَابًا من ك-ت-ب: حَبسٌ دَقيقٌ يَتَّصِلُ بِمَحَلِّه فيَثبُت. ثُمَّ نَّقْرَؤُهُ صِفةٌ لَه، وق-ر-أ ضَمُّ المُتَفَرِّقِ ثُمَّ إخراجُه مَقطوعاً بِالنُّطق. فالمَطلوبُ شَيءٌ ثابِتٌ يُمسَكُ، ثُمَّ يُجمَعُ ويُنطَقُ بِه. وقد وُصِفَ بِأن يَقرَؤوهُ هُم لا أن يُقرَأَ عَلَيهِم.
وهذا الجِذرُ نَفسُه هو الذي سُمِّيَ بِه ما بَينَ أيديهِم في بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ﴾ قَبلَ خَمسِ آيات. طُلِبَ مَقروءٌ يُنَزَّلُ، والمَقروءُ يُتلى. واللَّفظُ الواحِدُ يَقَعُ مَرَّتَين، والقارِئُ يَقِفُ عِندَ التَّجاوُر.
«قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي»: ثالِثةُ التَّسبيحِ في السّورة
يَنقَطِعُ سَردُ المَطالِبِ عِندَ قُلْ. والأمرُ بِالقَولِ هو الذي فُتِحَ بِه هذا المَقطَعُ قَبلَ خَمسِ آيات، فيَعودُ لِيُغلِقَه.
والجَوابُ لَيسَ بَنداً يُقابِلُ بَنداً. يُترَكُ الخَمسةُ كُلُّهُم بِلا رَدٍّ مُفَصَّل، ويُقالُ لَفظٌ واحِد. و«سُبحان» من س-ب-ح جَريانٌ مُنفَتِحٌ يَخلُصُ فلا يُمسِكُه مُمسِك؛ فالتَّسبيحُ تَخلِيةٌ لِلمَجرى مِمّا عَلِقَ بِه.
وهذه ثالِثةُ مَواضِعِ هذا اللَّفظِ في السّورة. بِه فُتِحَت في سُبْحَانَ الَّذِي﴾، وعادَ في سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ﴾، ويَقَعُ هُنا. عَمودٌ واحِدٌ يَظهَرُ في المَواضِعِ الثَّلاثة، ولا يُقالُ هُنا في المَوضِعَينِ الآخَرَينِ أكثَرُ من أنَّهُما هُناك.
ورَبِّي إضافةٌ إلى ياءِ المُتَكَلِّم. سُئِلَ أن يُنزِلَ ويُصعِدَ ويُسقِط، فأجابَ بِمَن هو مَربوبٌ له. الجَوابُ يَرفَعُ اليَدَ عن الأمرِ كُلِّه ويَضَعُها في مَوضِعِها.
«هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا»: استِفهامٌ يَنفي، وحَصرٌ في كَلِمَتَين
«هَل» هُنا لا تَستَخبِر. استِفهامٌ مَعناهُ النَّفي، ثُمَّ إِلَّا تَقلِبُ النَّفيَ حَصراً. فالجَوابُ عن قائِمةِ مَطالِبَ حَدٌّ يُوضَعُ على المَطلوبِ منه.
وكَلِمَتانِ نَكِرَتانِ لا ثالِثَ لَهُما. بَشَرًا من ب-ش-ر اتِّصالٌ يَنتَشِرُ ويَجري في الظّاهِر، ومنه البَشَرةُ يَظهَرُ عَلَيها ما في الجَوف: صِنفٌ يُرى ويُقرَأُ عَلَيهِ حالُه. ورَّسُولًا من ر-س-ل إطلاقٌ يَجري مُستَرسِلاً حتّى يَتَعَلَّقَ بِطَرَفِه: وَظيفةُ حَملٍ ووُصول.
والتَّرتيبُ مَقروء. قُدِّمَ الجِنسُ وأُخِّرَتِ الوَظيفة، فما بَعدَ إِلَّا صِنفٌ ثُمَّ عَمَلٌ يَجري فيه. ومَن حُصِرَ في جِلدِه وفي رِسالَتِه لم يَبقَ في يَدِه ما يُساوِمُ بِه على شَيءٍ من خَمسة.
حَصيلة
بَندانِ يُختَمُ بِهِما العَدّ. أوَّلُهُما مِلكٌ ثانٍ على صيغةِ الأوَّلِ نَفسِها، ومادَّتُه زُخْرُفٍ اكتِنازٌ ظاهِرٌ تَحتَه تَخَلخُلٌ يَجري على السَّطحِ ويَتَفَرَّق: بَعدَ مِلكٍ يَحبِسُ الماءَ في جَوفِه، مِلكٌ كُلُّه سَطح. وثانيهِما رُقِيٌّ، ور-ق-ي صُعودٌ مُتَدَرِّجٌ يَمتَدّ، وقيلَ فِي السَّمَاءِ لا إلَيها فصارَ العُلوُّ ظَرفاً يُتَحَرَّكُ فيه. ثُمَّ يُنقَضُ البَندُ في جُملَتِه: وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ بِاللّامِ التي فُتِحَت بِها القائِمة، فيُطلَبُ الشَّيءُ ويُرَدُّ قَبلَ وُقوعِه. ثُمَّ «حتّى» ثانِيةً تَبني شَرطاً فَوقَ شَرط: تُنَزِّلَ على فَعَّلَ من ن-ز-ل خُروجٌ مُكتَنِزٌ يَتَعَلَّقُ بِمَحَلٍّ فيَستَقِرّ، فحَرَكَتانِ مُتَقابِلَتان: صُعودٌ بِدَرَجاتٍ ونُزولٌ بِدَفَعات. والمَطلوبُ كِتَابًا من ك-ت-ب حَبسٌ دَقيقٌ يَثبُتُ في مَحَلِّه، مَوصوفاً بِأن يَقرَؤوهُ هُم، وق-ر-أ ضَمُّ المُتَفَرِّقِ ثُمَّ إخراجُه بِالنُّطق: طُلِبَ مَقروءٌ ومَقروءٌ بَينَ أيديهِم. ثُمَّ يَنقَطِعُ العَدُّ بِـقُلْ، ويُجابُ الخَمسةُ بِلَفظٍ واحِد: سُبْحَانَ رَبِّي، وس-ب-ح جَريانٌ مُنفَتِحٌ يَخلُصُ فلا يُمسَك، وهي ثالِثةُ مَواضِعِ اللَّفظِ في السّورةِ بَعدَ فاتِحَتِها ومَوضِعٍ ثانٍ قَبلَ هذا. ثُمَّ حَصرٌ في كَلِمَتَين: بَشَرٌ من ب-ش-ر ظاهِرٌ يَجري عَلَيهِ ما في الجَوف، ورَسولٌ من ر-س-ل إطلاقٌ يَجري حتّى يَتَعَلَّقَ بِطَرَفِه. سُئِلَ عن خَمسِ قُدَرٍ فأجابَ بِجِلدٍ ووَظيفة.