الإسراء · الآية 91

﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا

«أَوْ»: حَرفٌ يَعُدُّ ولا يُغني

يُفتَحُ الكَلامُ بِحَرفِ عَطفٍ لا بِجُملةٍ جَديدة. فالمَقولُ واحِدٌ مُتَّصِلٌ بِما قَبلَه، والذي تَغَيَّرَ بَندٌ في قائِمة.

و«أو» في مِثلِ هذا المَوضِعِ لا تَعني أنَّ أحَدَ الأمرَينِ يَكفي. لَو كَفى أوَّلُها لَما جاءَ ثانيها. الحَرفُ يَعُدُّ الطَّلَباتِ ولا يُنهيها، وسَتَعودُ «أو» بَعدَ هذا ثَلاثَ مَرّاتٍ أُخرى.

«تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ»: انتِقالٌ من فِعلٍ يُصنَعُ إلى مِلكٍ يُملَك

كانَ الطَّلَبُ الأوَّلُ فِعلاً مُسنَداً إليه: حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا﴾. أمّا هُنا فالفِعلُ ناقِصٌ والخَبَرُ جارٌّ ومَجرور: تَكُونَ لَكَ. لم يُطلَبْ أن يَعمَل، طُلِبَ أن يَملِك.

واللّامُ لامُ المِلك، فالمَطلوبُ صائِرٌ إليه هو. وهذا أوَّلُ مِلكَينِ في القائِمة، والثّاني بَيتٌ يَأتي بَعد. طُلِبَ منه أوَّلاً أن يَفعَل، ثُمَّ طُلِبَ منه أن يَكونَ ذا شَيء.

والجَنَّةُ من ج-ن-ن احتِباسٌ في الجَوفِ يَستُرُ ما احتَواه، والنّونُ مُضاعَفةٌ فيَشتَدُّ السَّتر. فهي حَيِّزٌ مُغلَقٌ يَستُرُ ما فيه، لا فَضاءٌ مَفتوحٌ يُرى من بَعيد. وقد جاءَت نَكِرةً: بُستانٌ ما، لا بُستانٌ بِعَينِه.

«مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ»: مادّةٌ تُسَمّى بَعدَ حَيِّزٍ لم يُسَمَّ

«مِن» بَيانِيّة، تُبَيِّنُ مِمَّ يَتَألَّفُ الحَيِّز. لم يُوصَفِ البُستانُ بِسَعةٍ ولا مَوضِعٍ ولا صاحِب، وإنَّما بِما يَنبُتُ فيه.

والنَّخلُ من ن-خ-ل صُعودٌ نافِذٌ يَبقى مَحوزاً بِأصلِه في الأرض: جِذعٌ يَخترِقُ صاعِداً ولا يُفارِقُ مَغرِسَه. والعِنَبُ من ع-ن-ب قَبضٌ يَلتَحِمُ ويَحتَوي ماءَه ثُمَّ يَتَّصِلُ بِعُنقودِه فيَتَمَسَّكُ به. فالمَذكورانِ نَبتانِ: أحَدُهُما يَعلو ولا يَنفَصِل، والآخَرُ يَقبِضُ ماءَه ويَتَعَلَّق. وكِلاهُما يَحبِسُ الماءَ في جَوفِه.

«فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ»: الجِذرُ يَعودُ في آيَتَينِ مُتَجاوِرَتَينِ ويَشتَدّ

هذا هو الجِذرُ الذي قيلَ بِه أوَّلُ المَطالِب، يَعودُ بَعدَ آيةٍ واحِدة. ف-ج-ر شَقٌّ يُطلِقُ مُتَكَتِّلاً مَحبوساً فيَجري. لكِنَّ صيغَتَه هُنا غَيرُ صيغَتِه هُناك.

كانَ تَفْجُرَ مُجَرَّداً، وصارَ فَتُفَجِّرَ على فَعَّلَ. وتَضعيفُ العَينِ يُكَثِّرُ الشَّقَّ ويُوَزِّعُه على مَواضِع. وكانَ المَفعولُ يَنبُوعًا واحِداً مُنَكَّراً، فصارَ الْأَنْهَارَ جَمعاً مُعَرَّفاً. عَينٌ واحِدةٌ لا تُعرَفُ صارَت أنهاراً مَعروفة.

والنَّهرُ من ن-ه-ر دَفعٌ يَنبَعِثُ من الجَوفِ فيَجري مُتَّصِلاً في مَجراه. فالمَطلوبُ لَيسَ خُروجَ الماءِ فَحَسبُ بَل شَقُّ أخاديدَ يَجري فيها ولا يَنقَطِع. طَلَبٌ يَبتَدِئُ بِرَشحةٍ من صَخرٍ ويَنتَهي بِشَبَكةِ مَجارٍ.

«خِلَالَهَا»: الكَلِمةُ التي قيلَت في هذه السّورةِ لِلدِّيار

خ-ل-ل فُرَجٌ مُتَتابِعةٌ بَينَ المُتَلاصِقات. فالخِلالُ لَيسَ ما حَولَ الشَّيءِ ولا ما تَحتَه، بَل ما بَينَ أجزائِه المُتَضامَّة.

وهذه الكَلِمةُ نَفسُها وَرَدَت في أوَّلِ السّورةِ في فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾. لَفظٌ واحِدٌ يَقَعُ مَرَّةً على ما بَينَ البُيوتِ ومَرَّةً على ما بَينَ الأشجار: مَوضِعٌ لا يُدخَلُ إلّا بِاختِراقِ الحاجِز. والتَّجاوُرُ يُقرَأُ ولا يُزادُ عَلَيه.

وانظُر أينَ صارَ الطَّلَب. أوَّلُه كانَ في الأرضِ المُشتَرَكةِ تَحتَ الأقدام، وهذا في جَوفِ حَيِّزٍ مَستور. طُلِبَ الشَّقُّ في العامّ، ثُمَّ طُلِبَ في الخاصّ.

«تَفْجِيرًا»: مَصدَرٌ يُثَبِّتُ فِعلَه

يُختَمُ الطَّلَبُ بِمَصدَرِ الفِعلِ نَفسِه مَنصوباً. والمَفعولُ المُطلَقُ لا يُضيفُ مَعنىً جَديداً، إنَّما يُثَبِّتُ الحَدَثَ ويَمنَعُ حَملَه على المَجاز.

فالجِذرُ في هذه الجُملةِ مَذكورٌ مَرَّتَين: فِعلاً ثُمَّ مَصدَراً. قيلَ الشَّقُّ ثُمَّ أُعيدَ لِئَلّا يُفهَمَ أقَلَّ مِمّا أُريد. ومَن أعادَ لَفظَه لِيَستَوثِقَ من فَهمِه، فقد أرادَ ما لا يُساوَمُ عَلَيه.


حَصيلة

حَرفُ عَطفٍ يَفتَحُ بَنداً ثانِياً، ولا يَعني أنَّ الأوَّلَ كانَ كافِياً. ثُمَّ يَنتَقِلُ الطَّلَبُ من فِعلٍ يُصنَعُ إلى مِلكٍ يُملَك: تَكُونَ لَكَ بِلامِ المِلك. والمَملوكُ جَنَّةٌ من ج-ن-ن احتِباسٌ في الجَوفِ يَستُرُ ما احتَواه، مُضاعَفةُ النّونِ تَشُدُّ سَترَها، وهي نَكِرةٌ لا تُعَيَّن؛ وبَيانُها نَبتان: نَخيلٌ من ن-خ-ل صُعودٌ نافِذٌ يَبقى مَحوزاً بِأصلِه، وعِنَبٌ من ع-ن-ب قَبضٌ يَحتَوي ماءَه ويَتَّصِلُ بِعُنقودِه. ثُمَّ يَعودُ ف-ج-ر بَعدَ آيةٍ واحِدةٍ مُشتَدّاً: مُجَرَّدٌ صارَ على فَعَّلَ فتَوَزَّعَ الشَّقُّ، ومُنَكَّرٌ واحِدٌ صارَ جَمعاً مُعَرَّفاً، والنَّهرُ من ن-ه-ر دَفعٌ يَنبَعِثُ فيَجري مُتَّصِلاً في مَجراه. والمَوضِعُ خِلَالَهَا، وخ-ل-ل فُرَجٌ مُتَتابِعةٌ بَينَ المُتَلاصِقات، وهي الكَلِمةُ التي وَقَعَت في أوَّلِ السّورةِ على ما بَينَ الدِّيار. ثُمَّ مَصدَرٌ مَنصوبٌ يُعيدُ الجِذرَ مَرَّةً ثانِيةً في الجُملةِ الواحِدةِ فيُثَبِّتُه. طَلَبٌ نَزَلَ أوَّلاً إلى ما تَحتَ الأقدامِ، ثُمَّ دَخَلَ إلى ما بَينَ الجُذوع.