النبأ · الآية 36

﴿جَزَاءً مِّن رَّبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

جَزَاءً مِّن رَّبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا

«جَزَاءً»: اللَّفظُ الذي خُتِمَت بِه تِلكَ الجِهةُ تُختَمُ بِه هذه

كَلِمةٌ سَبَقَت في هذه السّورةِ بِعَينِها: جَزَاءً وِفَاقًا﴾. هُناكَ وُضِعَت على المِرصادِ والمَآبِ واللُّبثِ والحَميمِ والغَسّاق، وهُنا تُوضَعُ على الحَدائِقِ والأعنابِ والكَواعِبِ والكَأسِ ونَفيِ اللَّغوِ والكِذّاب. اسمٌ واحِدٌ يَحمِلُ الحِملَينِ ولا يَنقُصُ في أحَدِهِما.

والجِذرُ (ج ز ي) اجتِماعٌ يُقتَطَعُ مِنه جُزءٌ فيَنفُذُ خارِجاً حادّاً، ثُمَّ سَرَيانٌ يَمُدُّه حتّى يَبلُغَ مَحَلَّه الآخَر. فالجَزاءُ في أصلِه قِطعةٌ تُنقَلُ من حِسابٍ إلى حِساب، لا هَدِيّةٌ تُبتَدَأُ ولا عُقوبةٌ تُختَرَع. وما يَنتَقِلُ إنَّما يَنتَقِلُ بِمِقدارِ ما اقتُطِع.

ولِأنَّ الاسمَ واحِدٌ في الجِهَتَين، فالمِيزانُ واحِد. ما جَرى في الطَّرَفِ الأوَّلِ لم يَجرِ بِقانونٍ آخَرَ غَيرِ الذي يَجري بِه هذا.

«مِّن رَّبِّكَ»: كافُ المُخاطَبِ تَدخُلُ فجأةً في وَسَطِ الوَصف

مَضى المَقطَعُ كُلُّه في الغَيبة: مُتَّقونَ، ومَفازٌ، وحَدائِقُ، ولا يَسمَعون. ثُمَّ تَنزِلُ كافُ الخِطابِ في «رَبِّكَ» فتُفرِدُ واحِداً بِعَينِه. المَوصوفونَ جَماعة، والمُخاطَبُ بِالنِّسبةِ واحِد.

و«مِن» ابتِدائِيّة، تَذكُرُ المَصدَرَ الذي جاءَ مِنه. فالآيةُ لا تَكتَفي بِأن يُسَمّى العَطاء، بَل تُسَمّي مَن خَرَجَ مِن عِندِه. وهذا يَقلِبُ نِسبةَ الشَّيء: لَيسَ ما بَينَ اليَدَينِ هو الخَبَر، بَل مَن أرسَلَه.

والجِذرُ (ر ب ب) جَرَيانٌ مُستَرسِلٌ يَلتَصِقُ بِما يَجري مَعَه فلا يُفارِقُه، وتَضعيفُ الباءِ يُشَدِّدُ اللُّصوق. فالرَّبُّ في الحُروفِ مَن يَمشي مَعَ المَربوبِ في نُمُوِّه لا مَن يَعلوهُ ويَأمُر. والذي يُعطي هُنا هو الذي كانَ يَتَعَهَّدُ من قَبلُ، فلَيسَ العَطاءُ طارِئاً على العَلاقة، وإنَّما هو آخِرُ ما تُنتِجُه.

«عَطَاءً»: اسمٌ ثانٍ يَنزِلُ على الشَّيءِ الأوَّلِ بِلا عاطِف

لم تَقُلِ الآيةُ «جَزاءً وعَطاءً». وَضَعَتِ الاسمَينِ مُتَجاوِرَينِ لا يَفصِلُهُما حَرف، فصارا وَصفَينِ لِواحِد. الشَّيءُ الواحِدُ يُسَمّى مَرَّتَين، ولِكُلِّ تَسمِيةٍ جِهةٌ يُنظَرُ مِنها.

والجِذرُ (ع ط و) قَبضٌ في العُمقِ يَنبَسِطُ عَريضاً ثُمَّ يَنفَرِجُ فيُفضي إلى مُتَناوِلٍ ولا يَنغَلِق. فحَرَكةُ الكَفِّ في الجِذرِ كُلُّها مَرسومة: تُمسِكُ، ثُمَّ تَنبَسِط، ثُمَّ تُسَلِّم. والعَطاءُ ما وَصَلَ إلى اليَدِ الأُخرى بَعدَ أن كانَ مَقبوضاً في الأُولى.

وبَينَ الاسمَينِ فَرقٌ في الجِهةِ لا في الشَّيء. «جَزاءً» يَنظُرُ إلى ما تَقَدَّمَ فيَقتَطِعُ بِقَدرِه، و«عَطاءً» يَنظُرُ إلى الكَفِّ التي تَنفَتِح. فالمُستَحَقُّ يُسَلَّمُ بِيَدٍ مَبسوطة، وهذا ما لا تَجمَعُه كَلِمةٌ واحِدة.

«حِسَابًا»: الكَلِمةُ التي لم يُمَدَّ إلَيها حَبلٌ هُناك

وُصِفَ أهلُ الجِهةِ الأُخرى بِأمرٍ واحِدٍ في باطِنِهِم: إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾. اللَّفظُ نَفسُه يَعودُ الآنَ آخِرَ كَلِمةٍ في وَصفِ العَطاء. ما رُفِضَ هُناكَ أن يُتَعَلَّقَ بِه هو المِقدارُ الذي يُكالُ بِه هُنا.

والجِذرُ (ح س ب) إحاطةٌ يَجري فيها المُحاطُ بِه مُتَّصِلاً فلا تَقفِزُ عَن تَفصيلةٍ مِنه، ثُمَّ لُصوقٌ يَحمِلُ صورَتَه عَنه. فالحِسابُ مُرورٌ على كُلِّ جُزءٍ مَرَّةً بَعدَ مَرَّةٍ حتّى لا يَبقى مَتروك. وحينَ يُوصَفُ بِه العَطاءُ صارَ الإحصاءُ صِفةَ اليَدِ المُعطِيَة، لا شَرطاً يَقِفُ في وَجهِها.

وهذا آخِرُ ما يُقالُ في الجِهَتَين، فالفاصِلةُ نَفسُها تَحمِلُ الوَجهَين: عَدٌّ لا يُرجى، وعَدٌّ يُعطى بِه. والذي فَرَّ من أن يُحصى لم يَنجُ من الإحصاء، وإنَّما نَجا من نَصيبِه مِنه.


حَصيلة

تُغلَقُ الجِهَتانِ بِاللَّفظِ الذي فُتِحَتا بِه. «جَزاءً» (ج ز ي): قِطعةٌ تُقتَطَعُ من حِسابٍ فتَسري إلى حِسابٍ آخَرَ فتَقَعُ فيه، وهي الكَلِمةُ التي وُضِعَت هُناكَ على الحَميمِ والغَسّاق وتُوضَعُ هُنا على الحَدائِقِ والكَأس. ثُمَّ تَنزِلُ كافُ الخِطابِ في «رَبِّكَ» فتُفرِدُ واحِداً بَعدَ جَماعة، و«مِن» تُسَمّي المَصدَرَ فيَصيرُ الخَبَرُ في المُرسِلِ لا في المُرسَل، والجِذرُ (ر ب ب) مُلازَمةٌ جاريةٌ تُنَمّي ما لازَمَت. ثُمَّ يَنزِلُ «عَطاءً» بِلا عاطِفٍ فيَصيرُ اسماً ثانِياً لِلشَّيءِ الأوَّل، و(ع ط و) قَبضٌ يَنبَسِطُ فيُفضي إلى مُتَناوِل: المُستَحَقُّ يُسَلَّمُ بِكَفٍّ مَفتوحة. ثُمَّ «حِساباً» (ح س ب): إحاطةٌ جاريةٌ تَلتَصِقُ بِما أحصَت، فالعَطاءُ مَعدودٌ لا مَنثور. وهو اللَّفظُ الذي قيلَ عن أُولئك إنَّهُم لم يَمُدّوا إلَيه حَبلاً. فالحِسابُ لَيسَ ضِدَّ العَطاء، بَل هو المِكيالُ الذي يُكالُ بِه.