النبأ · الآية 37

﴿رَّبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَٰنِ ۖ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

رَّبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَٰنِ ۖ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا

«رَّبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ»: النِّسبةُ الواحِدةُ تَتَّسِعُ ولا تَتَبَدَّل

قيلَ في الآيةِ قَبلَها «مِن رَبِّكَ»، وهي نِسبةٌ ضَيِّقةٌ لِواحِدٍ يُخاطَب، ثُمَّ جاءَت هذه الآيةُ فأبدَلَت مِنها «رَبِّ السَّماواتِ والأرضِ»، فالكَلِمةُ باقِيةٌ على حالِها، والذي اتَّسَعَ ما أُضيفَت إلَيه.

والجِذرُ (ر ب ب) مُلازَمةٌ جارِيةٌ تُمسِكُ وتُنَمّي، فما بَينَ السّامِعِ ورَبِّه هو الصِّلةُ نَفسُها التي بَينَ السَّماواتِ ورَبِّها، وهي صِلةٌ واحِدةٌ تَسَعُ الطَّبَقاتِ العُلا وتَسَعُ رَجُلاً بِعَينِه.

وقد جاءَتا في هذه السّورةِ مَصنوعَتَين: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾ ووَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾، فمُهِّدَت واحِدةٌ وفُتِحَتِ الأُخرى، وهُما الآنَ تُجمَعانِ تَحتَ نِسبةٍ واحِدة، فمَن مَهَّدَ ومَن فَتَحَ هو الذي يُعطي.

«وَمَا بَيْنَهُمَا»: يُذكَرُ الفاصِلُ ولا يُعَدُّ ما فيه

وذُكِرَ طَرَفانِ ثُمَّ ما بَينَهُما، ولم تُسَمِّ الآيةُ شَيئاً مِمّا في هذا الوَسَط، واكتَفَت بِاسمٍ مَوصولٍ مُبهَمٍ يَستَوعِبُه كُلَّه.

والجِذرُ (ب ي ن) انفِتاحٌ يُخرِجُ الباطِنَ إلى الظُّهورِ فيَنفَصِلُ الشَّيءُ عمّا حَولَه، فـ«بَين» في أصلِه اسمُ الفَجوةِ التي تَفصِلُ فتُبَيِّن، فإذا ذُكِرَتِ الفَجوةُ نَفسُها في المِلكِ لم يَبقَ مَوضِعٌ يُقالُ فيه إنَّه خارِج.

وهذه طَريقةُ السّورةِ من أوَّلِها، تُسَمّي الحُدودَ وتَترُكُ ما بَينَ الحُدودِ لِمَن يَملَؤُه، حتّى إنَّ الخَلاءَ مُلِكَ قَبلَ أن يُعرَفَ ما فيه.

«الرَّحْمَٰنِ»: أوسَعُ ما وُصِفَ بِه المِلكُ يُختَمُ بِأدفَإِ اسم

وبَعدَ سَماواتٍ وأرضٍ وما بَينَهُما يَنزِلُ الاسمُ الأخير: «الرَّحمن»، وقد أوثِرَ فيه اسمُ الاحتِواءِ على ما يُناسِبُ السَّعةَ من أسماءِ القُوّةِ والقَهر.

والجِذرُ (ر ح م) جَرَيانٌ يَنتَهي إلى احتِواءٍ في الباطِنِ ثُمَّ يَلتَئِمُ بِالمُحتَوى فلا يُفارِقُه، ومِنه الرَّحِمُ، وهي مَوضِعٌ يُحيطُ بِما فيه ويُغَذّيه وهو لا يَعلَمُ بِمَن يُحيطُ بِه، فالاسمُ يَصِفُ إحاطةً تَحمِلُ لا إحاطةً تَقبِض.

و«الرَّحمن» على فَعلان، وهو بِناءٌ يَملَأُ المَوصوفَ بِالوَصفِ حالاً بَعدَ حال، فالسَّعةُ في الآيةِ سَعَتان: سَعةُ ما مُلِك، وسَعةُ الوَصفِ الذي مَلَكَ بِه.

«لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا»: المَنفِيُّ المِلكُ لا الكَلام

وأوثِرَ «لا يَملِكون» على «لا يَتَكَلَّمون»، فوَقَعَ النَّفيُ على الحِيازةِ دونَ النُّطق، والفَرقُ بَينَهُما كُلُّ الفَرق، إذ مَن لا يَقدِرُ ساكِتٌ عَجزاً، ومَن لا يَملِكُ ساكِتٌ لِأنَّ الأمرَ لَيسَ لَه.

والجِذرُ (م ل ك) حِيازةٌ تُمسِكُ وتَلزَمُ ثُمَّ تُحبَسُ في قَبضةٍ لا يَنفَلِتُ مِنها ما دَخَلَها، ويَقِفُ في صَفِّ الآيةِ التالِيةِ «المَلائِكة»، واسمُهُم من أ-ل-ك، وهو حَملُ الرِّسالة، فالمِلكُ مَنفِيٌّ هُنا، وحامِلو الرِّسالةِ هُناكَ لا يَتَكَلَّمونَ إلّا بِإذن.

و«خِطاباً» من (خ ط ب)، وهو قَولٌ يَنفُذُ فيُطبِقُ على سامِعِه ويَلتَصِقُ بِه، ولَيسَ كُلُّ كَلامٍ خِطاباً، فالخِطابُ ما ووجِهَ بِه المُخاطَبُ مُواجَهةً فأخَذَ مِنه مَوضِعَه. ولِذلك كانَ المَنفِيُّ أدَقَّ مِمّا يُظَنّ، فهُم لا يَملِكونَ أن يَبتَدِئوهُ بِمُواجَهة.

و«مِنه» تَبعيضٌ يَشُدُّ النَّفيَ إلى آخِرِه، فلَيسَ عِندَهُم من هذا البابِ قَليلٌ ولا كَثير. ومَوضِعُ الحِدّةِ في الآيةِ تَجاوُرُ «الرَّحمن» و«لا يَملِكون» في نَفَسٍ واحِد، إذ الرَّحمةُ لا تورِثُ حَقَّ الكَلام.


حَصيلة

تُبدِلُ الآيةُ من «رَبِّكَ» ما هو أوسَعُ مِنه بِالكَلِمةِ نَفسِها: «رَبِّ السَّماواتِ والأرض»، والجِذرُ (ر ب ب) مُلازَمةٌ جارِيةٌ تُمسِكُ وتُنَمّي، فصِلةُ السّامِعِ بِرَبِّه هي صِلةُ الطَّبَقاتِ العُلا بِه، لا صِنفٌ أدنى مِنها. وقد مُهِّدَتِ الأرضُ وفُتِحَتِ السَّماءُ فيما سَبَقَ مِن هذه السّورةِ نَفسِها، فيُجمَعُ المَصنوعانِ الآنَ تَحتَ يَدٍ واحِدة. ثُمَّ «وَما بَينَهُما» من (ب ي ن)، وهو فُرجةٌ تَفصِلُ فتُبَيِّن، تُذكَرُ ولا يُعَدُّ ما فيها، فلا يَبقى خَلاءٌ يُقالُ إنَّه خارِجُ المِلك. ثُمَّ يَنزِلُ «الرَّحمن» من (ر ح م)، وهو احتِواءٌ جارٍ يُحيطُ ويَلتَئِم، ومِنه الرَّحِمُ يُحيطُ فيُغَذّي، فيُختَمُ أوسَعُ مِلكٍ بِأدفَإِ اسم. ثُمَّ «لا يَملِكونَ مِنه خِطاباً» من (م ل ك) و(خ ط ب)، فالمَنفِيُّ المِلكُ لا القُدرة، والخِطابُ وهو القَولُ المُواجَهُ بِه لا مُطلَقُ الكَلام، و«مِنه» تُبَعِّضُ فتَستَغرِقُ النَّفي. فالآيةُ توَسِّعُ اليَدَ حتّى تَشمَلَ الفَجَوات، ثُمَّ تُسَمّيها رَحمة، ثُمَّ تُغلِقُ الفَمَ على المُحاطِ بِهِم.