المطففين · الآية 12

﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ

«وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا»: حَصرٌ يَمضي في جِهةٍ واحِدة

جاءَ نَفيٌ ثُمَّ استِثناء، وهذا بِناءُ الحَصر، يُغلَقُ فيه البابُ كُلُّه ثُمَّ يُفتَحُ مَنفَذٌ واحِد، والمَنفَذُ هُنا وَصفٌ لا اسم. والآيةُ تَحصُرُ الرّادّينَ في نَوعٍ واحِد، ولا تَقولُ إنَّ كُلَّ مَن كانَ من ذلك النَّوعِ رادّ، فالحَصرُ يَمضي في جِهةٍ ولا يَرجِع.

وتَحَوَّلَ الفِعلُ من الجَمعِ إلى الإفراد، فقد كانَ «يُكَذِّبونَ» فصارَ «يُكَذِّبُ»، فيَنفَضُّ الجَمعُ ويَبقى واحِدٌ يُوصَف. والضَّميرُ في «بِهِ» يَعودُ إلى ما سُمِّيَ في الآيةِ قَبلَها، وهو يَومُ الدِّين، ولم يُعَدِ الاسمُ لِأنَّ العَهدَ قَريب.

«كُلُّ مُعْتَدٍ»: حَوزٌ لا يَدَعُ طَرَفاً، وخُروجٌ عن حَدٍّ بِإرادة

و«كُلُّ» من ك-ل-ل، ومَعناه حَوزٌ يَمتَدُّ حتّى يَبلُغَ أطرافَ ما حاز، ومِنه الإكليلُ يُحيطُ بِالرَّأسِ فلا يَدَعُ مِنه ناحِية، فما بَعدَ الاستِثناءِ مَحوزٌ كُلُّه، لا يَشِذُّ مِنه فَرد.

و«مُعتَدٍ» مادّتُه ع-د-و، وهي ظُهورٌ من عُمق، فدَفعٌ إلى أمام، فانفِراجٌ يُفضي إلى ما وَراءَ الحَيِّز، فالتَّجاوُزُ في آخِرِ الجِذرِ نَفسِه. وصيغةُ الافتِعالِ تَجعَلُ الخُروجَ مَأخوذاً من الذّات، غَيرَ واقِعٍ بِها، فالمُعتَدي مَن تَكَلَّفَ التَّجاوُزَ فمَضى، وأمّا مَن دُفِعَ فتَعَدّى فغَيرُه.

وقد فَتَحَتِ السّورةُ على حَدٍّ يُنقَصُ عَنه في المِكيال، وهُنا حَدٌّ يُتَجاوَزُ إلَيه، فالخَطُّ واحِدٌ والحَرَكَتانِ مُتَقابِلَتان، نَقصٌ دونَه وخُروجٌ فَوقَه.

«أَثِيمٍ»: ما يَخرُجُ إلى النّاسِ يَبقى مِنه رُكامٌ في الدّاخِل

و«أثيم» من أ-ث-م، وأصلُه احتِباسٌ يَتَكاثَفُ دَقيقاً ثُمَّ يُمسَكُ في الباطِنِ فلا يَتَبَعثَر، فالمُرادُ بِالإثمِ ما يَتَرَسَّبُ من الفِعلِ ويَبقى بَعدَ أن يَمضي، لا الفِعلُ حينَ يَقَع، وهو حِملٌ يَتَراكَمُ حَبّةً على حَبّةٍ حتّى يَصيرَ كُتلة.

ووَزنُ فَعيلٍ يُثَبِّتُ الصِّفة، فهي حالٌ استَقَرَّت، غَيرُ حادِثةِ إثمٍ عَرَضَت. والوَصفانِ في الآيةِ يَنظُرانِ إلى جِهَتَين، فـ«مُعتَدٍ» حَرَكةٌ تَخرُجُ إلى غَيرِه، و«أثيمٍ» ثِقَلٌ يَرجِعُ عَلَيه، ولا يُرَدُّ الخَبَرُ إلّا من مَوضِعٍ اجتَمَعَ فيه الاثنان.


حَصيلة

نَفيٌ ثُمَّ استِثناءٌ فحَصر، والمَنفَذُ المَفتوحُ وَصفٌ لا اسم. ويَنتَقِلُ الفِعلُ من الجَمعِ إلى الإفراد، فيَنفَضُّ الجَمعُ ويَبقى واحِدٌ يُوصَف، والضَّميرُ في «بِهِ» يَعودُ إلى يَومِ الدِّينِ المَذكورِ قَبلَه. ثُمَّ «كُلُّ» (ك-ل-ل)، وهو حَوزٌ يَبلُغُ الأطرافَ فلا يَشِذُّ مِنه فَرد، كالإكليلِ يُحيطُ فلا يَدَعُ ناحِية. و«مُعتَدٍ» (ع-د-و) ظُهورٌ من عُمقٍ فدَفعٌ إلى أمامٍ فانفِراجٌ يُفضي إلى ما وَراءَ الحَدّ، وصيغةُ الافتِعالِ تَجعَلُه مَأخوذاً من الذّات. و«أثيمٍ» (أ-ث-م) تَكاثُفٌ دَقيقٌ يُمسَكُ في الباطِنِ فلا يَتَبَعثَر، وفَعيلٌ يُثَبِّتُه حالاً لا حادِثة. وقد فَتَحَتِ السّورةُ على نَقصٍ دونَ الحَدّ، وهُنا خُروجٌ فَوقَه، فالخَطُّ واحِدٌ والحَرَكَتانِ مُتَقابِلَتان، حَرَكةٌ تَخرُجُ إلى النّاسِ وثِقَلٌ يَستَقِرُّ في صاحِبِها، ومن هذا المَوضِعِ وَحدَه يُرَدُّ الخَبَر.