البقرة · الآية 281

﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

(و ق ي) الأمرُ بتَقوى اليَوم

وعُدِلَ بمَفعولِ «اتَّقوا» هُنا عن «الله» كَما في 278 إلى «يَومًا»، وهذا الاختيارُ نادِر. وتَقوى اللهِ تَجعَلُ المَرءَ يَتَّقي في كُلِّ لَحظة، وتَقوى اليَومِ تَجعَلُه يَتَّقي اليَومَ المُعَيَّن، وهو يَومُ الحِساب. وهذا التَّحويلُ البَلاغيُّ مَقصود: الخِتامُ يُوَجِّهُ الوِقايةَ نَحوَ لَحظةٍ واحِدةٍ مُحَدَّدة، ولا شَيءَ يَحتاجُ إلى وِقايةٍ مِثلَ هذا اليَوم، لأنَّه لا تَتِمُّ بَعدَه فُرصةٌ ثانيةٌ للتَّصحيح.

(ر ج ع) الرُّجوعُ المَبنيُّ للمَجهول

والفِعلُ «تُرجَعون» مَبنيٌّ للمَجهول، وهذا أدَقُّ من «تَرجِعون»، لأنَّ الإنسانَ يُرَدُّ إلى الله، ولا يَرجِعُ إليه باختيارِه. والمَجهولُ هُنا يَحذِفُ الفاعِلَ تَعظيمًا: اللهُ هو الذي يُرجِعُهم، ولا تُرادُ تَسميَتُه في صيغةٍ تَفصيليَّة. والفارِقُ بَينَ «يَرجِعُ» و«يُرجَعُ» يُحَدِّدُ الفَرقَ بَينَ تَوَهُّمِ استِقلاليَّةِ الإنسانِ وحَقيقةِ تَبَعيَّتِه: الرُّجوعُ يَقَعُ فَرضًا، ولا يَعتَمِدُ على إرادَتِه.

(و ف ي) التَّوفيَةُ الكامِلةُ

والفِعلُ «تُوَفّى» من (و ف ي) بمَعنى أداءِ الحَقِّ كامِلًا بلا نَقصٍ ولا زيادة، وقد سَبَقَ في 272 في سِياقِ «ما تُنفِقوا من خَيرٍ يُوَفَّ إليكُم»، فتَكرارُه هُنا في سِياقِ الحِسابِ الكُلّيِّ يُؤَكِّدُ أنَّ مَنطِقَ المَوازينِ الإلهيَّةِ واحِد: ما دَفَعتَه يُرَدُّ إليكَ كامِلًا، وما كَسَبتَه تَستَحِقُّه كامِلًا. وهذه البِنيةُ الجَذريَّةُ تَنفي المُحاباة: لا يَحصُلُ أحَدٌ على أكثَرَ من عَمَلِه، ولا يَنقُصُ أحَدٌ عَن عَمَلِه.

(ك س ب) ما كَسَبَت

والفِعلُ «كَسَبَت» مُسنَدٌ إلى «كُلِّ نَفس»، وهذا الإسنادُ الفَرديُّ يُحَدِّدُ أنَّ الحِسابَ شَخصيّ، لا جَماعيّ. وأصلُ (ك س ب) الحُصولُ عَلى الشَّيءِ بجُهدٍ حَتّى يَلتَصِقَ بصاحِبِه، فكُلُّ ما تَحَصَّلَ عَلَيه الإنسانُ بجُهدِه، صَغيرًا كانَ أو كَبيرًا، يُوفّى جَزاؤُه. والتَّعبيرُ بـ«الكَسب» بَدَلًا من «العَمَل» دَقيق: الكَسبُ يَشمَلُ الرِّبحَ الماليَّ أيضًا، فالاتِّجاهُ واضِحٌ نَحوَ سِياقِ الرِّبا، والمالُ الذي اكتَسَبَه المُرابي سيُحاسَبُ عَلَيه، ولا يَستَطيعُ أن يَترُكَه عِندَ الباب.

(ن ف س) الفَرديَّةُ المُطلَقةُ للحِساب

و«كُلُّ نَفسٍ» صيغةٌ حاسِمة: كُلُّ فَردٍ يُحاسَبُ على انفِراد، وليسَ هُناكَ حِسابٌ جَماعيٌّ يَختَبِئُ فيه المَرءُ وَراءَ قَبيلَتِه أو طَبَقَتِه أو دَولَتِه. و«النَّفس» الذّاتُ الحَيَّةُ المُدرِكة. وهذا الفَردُ الذي لا يُمكِنُ الاختِباءُ منه هو نَفسُ الفَردِ الذي أرادَ المُرابي أن يَختَبِئَ فيه من مَسؤوليَّةِ سَرِقَتِه، وقد استَطاعَ ذلك في الدُّنيا، ولا يَستَطيعُه في الآخِرة.

(ظ ل م) خَتمُ الدَّورة

وقَولُه «وهُم لا يُظلَمون» صدًى مُباشِرٌ لـ«لا تَظلِمونَ ولا تُظلَمون» في 279، وكأنَّ الآيةَ تُعيدُ إلى الذّاكِرةِ المَبدَأَ الدُّنيَويَّ الذي بَنَت عَلَيه الدَّورةُ التَّشريعيَّة، وتَسحَبُه إلى اليَومِ الأخير، فالعَدلُ الإلهيُّ في الدُّنيا قاعِدة، وفي الآخِرةِ ضَمانة. وهذا التَّكرارُ يُعلِنُ أنَّ «لا تَظلِمون ولا تُظلَمون» في بابِ الرِّبا امتِدادٌ لقانونٍ إلهيٍّ كَبيرٍ يَسري في الدُّنيا والآخِرة، فَوقَ كونِه حُكمًا قانونيًّا.

مَوقِعُ الآيةِ في القَوسِ القُرآنيِّ

والقَوسُ القُرآنيُّ يَنفَتِحُ في الفاتِحةِ بـ«مالِكِ يَومِ الدّين»، ويَنغَلِقُ في خِتامِ بابِ الرِّبا مِنَ البَقَرةِ بـ«يَومًا تُرجَعونَ فيه إلى الله»، فيَختِمُ الحَبلُ القُرآنيُّ نَفسَه بِيَومِ الحِسابِ كَما افتَتَحَ بِه. والرِّبا في هذا المَوقِعِ ساحةٌ تَشريعيَّةٌ تُغلَقُ قُبَيلَ خاتِمةِ السّورة، فيَجتَمِعُ فيها الحُكمُ الاقتِصاديُّ والذِّكرُ الأُخرَويُّ في آيةٍ واحِدة.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة، فَدَورُ «يَومِ الرُّجوعِ الذي تَتَكَشَّفُ فيه قيمةُ كُلِّ كَسبٍ اقتِصاديٍّ على حَقيقَتِه» يَسبِقُ دَورَ «المُحاسَبةِ الدُّنيَويَّةِ التي قَد تَخدَعُ بالعَمليَّاتِ الظّاهِرةِ فَتَمدَحُ المُرابي وتَذُمُّ المُتَصَدِّق»، ودَورُ «تَوفِيَةِ كُلِّ نَفسٍ ما كَسَبَت» يَسبِقُ دَورَ «الحِسابِ الجَماعيِّ الذي يُوَزِّعُ المَسؤوليَّةَ حَتّى تُفقَد».


حَصيلة

تُختَمُ دَورةُ الرِّبا بِإطارٍ أُخرَوِيّ، فيَكونُ خِتامُ الكَلامِ في بابِ الرِّبا عَن اليَومِ الآخِرِ والعَدلِ والجَزاء. والأمرُ بِالتَّقوى مُتَعَلِّقٌ هُنا بِـ«يَومًا»، وكانَ في 278 مُتَعَلِّقًا بِالله، وهي تَقوى لَحظةٍ واحِدةٍ مُحَدَّدةٍ لا تَعودُ بَعدَها فُرصة. و«تُرجَعون» (ر-ج-ع) مَبنيٌّ لِلمَجهول: الإنسانُ يُرَدُّ رَدًّا ولا يَرجِعُ باختيارِه، وفي ذلك كَشفٌ عن أنَّ استِقلاليَّتَه المَوهومةَ في الدُّنيا تَنتَهي. ثُمَّ تَأتي التَّوفيةُ (و-ف-ي) الكامِلةُ لِكُلِّ نَفسٍ (ن-ف-س) بِما كَسَبَت (ك-س-ب)، والتَّعبيرُ بِـ«كَسَب» دونَ «عَمِل» يَشمَلُ الكَسبَ الماليَّ الذي كانَ مَوضوعَ الدَّورة، فالمُرابي يَجِدُ مالَه في الميزانِ أيضًا. و«لا يُظلَمون» (ظ-ل-م) عَدلٌ مُطلَقٌ في الاتِّجاهَين، لا نَقصَ فيه ولا إضافة: مَن أنفَقَ يَجِدُ ما أنفَق، ومَن أخَذَ فَوقَ حَقِّه يُحاسَبُ عَلى ما أخَذ.