البقرة · الآية 41

﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ۖ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ۖ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ

«آمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ» من (أ م ن) و (ن ز ل): الأمانُ لِما وُضِعَ في مُتَناوَلِكُم

«آمِنوا» من (أ م ن)، ومَعناه: أَعطوا الأمانَ لِمَن بَينَ يَدَيكُم. والإيمانُ في القُرآنِ بَذلُ أمانٍ لِما وَصَلَ، لا تَصديقٌ ذِهنيٌّ مُجَرَّد. ومنه «أَمانة» و«مُؤمِن»، وكِلاهُما يُشيرُ إلى عَلاقةٍ تَأتَمِنُ ولا تَخون. وبِه يُفَرَّقُ بَين «مَن يَعرِف» و«مَن يُؤمِن»: كَثيرٌ من الخَلقِ يَعرِفُ الحَقَّ ولا يَبذُلُ له الأمان، فَيَطويه في صَدرِه كمَن يَطوي شَيئاً مَشكوكاً فيه، وهؤلاءِ تَنزَلِقُ مَعرِفَتُهم إلى نَقيضِها، فَيَصيرونَ إلى الكُفرِ بعدَ الإدراك.

و«أَنزَلْتُ» من (ن ز ل)، ومَعناه وَضَعتُ الأمرَ في مُتَناوَلِ اليَد. والتَّنزيلُ تَقريبٌ مَقصودٌ لا تَرَفُّع: جَعَلَ الرَّبُّ الرِّسالةَ في مُستَوى مَن يَأخُذُها. ثمَّ جاءَ «بِما أَنزَلتُ» بلَفظِ «ما»، وهي لِغَيرِ العاقِل، فَالمُنَزَّلُ المَقصودُ هو الكِتابُ دونَ الرَّسول، لأنَّ الرَّسولَ «يُرسَل» ولا «يُنزَل»، والكِتابُ هو الذي يُنزَلُ على قَلبِ حامِلِه. وإن كانَ بعضُ الوُجوهِ يَصرِفُ الضَّميرَ إلى حامِلِ الكِتاب، فالأظهَرُ في الصِّياغةِ اللُّغَوِيّةِ تَوَجُّهُه إلى الكِتابِ المُنَزَّل.

«مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ» من (ص د ق): التَّنزيلُ الجَديدُ يُثَبِّتُ الأوَّل

و«مُصَدِّقاً» اسمُ فاعِلٍ من (ص د ق) على صيغةِ التَّعدية، أي جَعَلَ الشَّيءَ صادِقاً وأَثبَتَ صِدقَه. فالقُرآنُ يَستَشهِدُ بما عِندَ بَني إسرائيلَ ويُثَبِّتُ صَحيحَه، ولا يَنسَخُه جُملةً ولا يَتَعالى عليه. والهُدى في القُرآنِ سِلسِلةٌ مُتَّصِلة، كُلُّ تَنزيلٍ فيها يَمُدُّ الذي قَبلَه ويُشَذِّبُ ما طَرَأَ عليه.

وجاءَ قَولُه لِّمَا مَعَكُمْ﴾ بلَفظِ الحاضِرِ دونَ الماضي، وفي ذلك فَتحٌ للمَعنى، فما مَعَكُمُ الآنَ يَشمَلُ ما أُنزِلَ إلَيكُم، ويَشمَلُ مَعَه الفِطرةَ المَركوزةَ في النُّفوس، والمَعرِفةَ الأَوَّليّةَ بوُجودِ الخالِقِ القائمةَ على العَقلِ والاستِقراء. فَالقُرآنُ يَأتي ليُصَدِّقَ كُلَّ قَبَسٍ من نُورٍ سابِقٍ بَقيَ في الوِجدان: تَشريعَ مَن سَبَقَ فيما لم يَتَغَيَّر، والبِشارةَ المَوضوعةَ فيما لم يُحَرَّف، وفِطرةَ الإنسانِ قَبلَ أن تَنطِقَ، وكُلُّ ذلك مُنتَظِمٌ في سِلسِلةٍ واحِدة.

«لَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ» من (ك ف ر): التَّغطيةُ الأولى، ومَخاطِرُ الرِّيادة

جاءَ الخِطابُ بالجَمعِ في تَكُونُوا﴾، ثمَّ تَحَوَّلَ إلى الإفرادِ في كَافِرٍ﴾ دونَ «الكافِرين»، وهذا الانتِقالُ من الجَمعِ إلى المُفرَدِ عَلامةٌ على مَعنىً دَقيق، وجاءَ «أَوَّلَ كافِرٍ» بصيغةِ اسمِ الفاعِلِ لا بالصِّلةِ «أَوَّلَ مَن يَكفُر»، فالأَوَّليّةُ هُنا أَوَّليّتانِ لا واحِدة: الأولى زَمانيّة، فالمُتَقَدِّمُ في الزَّمانِ يَفتَحُ طَريقاً للمُتَأخِّرين، والثانية اقتِدائيّة، فالسابِقُ يَصيرُ قُدوةً لِمَن بَعدَه، عَلى حَقٍّ كانَ أو على باطِل. ولِذلك لم يُكتَفَ بِـ«لا تَكفُروا»، وجاءَ النَّهيُ على مَعنى «لا تَكونوا الأوائلَ»، أي لا تَصوغوا طَريقَ التَّغطيةِ الذي يَتبَعُكُم فيه جيلٌ بعدَ جيل.

والضَّميرُ في بِهِ﴾ يَحتَمِلُ العَودَ على الكِتابِ المُنَزَّل، ويَحتَمِلُ العَودَ على حامِلِه، وكِلاهُما صَحيحٌ لا تَمانُعَ بَينَهما، إذ مَن غَطّى الكِتابَ فَقَد غَطّى حامِلَه، ومَن أَنكَرَ الحامِلَ فَقَد أَنكَرَ ما أُنزِلَ عليه. و«أَوَّلَ كافِرٍ به» يَصدُقُ على كُلِّ مَن احتَجَبَ باعتِقادِه السابِقِ عن التَّجَلّي الجَديد، فَصارَ كُفرُه غَطاءَ عَقيدةٍ قَدَّمَها، مَعَ أنَّ العَلامةَ التي بَينَ يَدَيهِ تَنقُضُ تِلكَ العَقيدةَ بذاتِها.

«لَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا» من (ش ر ي): بَيعُ العَلاماتِ بِمَكسَبٍ زائل

و«تَشتَروا» من (ش ر ي)، ومَدارُه على مُبادَلةٍ في سوق، أي أخذٍ بإعطاء. والآيةُ تَرسُمُ سوقاً تَنعَقِدُ فيه صَفقةٌ داخِليّةٌ دائِمة، عَلاماتُ الرَّبِّ فيها على كِفَّةٍ، ومَكاسِبُ الدُّنيا على الكِفَّةِ المُقابِلة، ومَن قَبِلَ العَقدَ فَقَد باعَ. وثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يَعُمُّ كُلَّ ما تُقايَضُ به الأمانةُ المَعرِفيّة، زيادةً على الرِّشوة: جاهٌ، ومَنصِبٌ، وإجماعٌ في طائفة، وراحةُ بالٍ عِندَ مَن يَكرَهُ الخِلاف. فالضَّعفُ في قِلَّةِ الثَّمَنِ بَينَ يَدَيِ الميزان، لا في حَجمِه، إذ فَنِيَ الثَّمَنُ وبَقِيَتِ الآيات.

والآيةُ غَيرُ مُغلَقةٍ على حالٍ بعَينِها، فهي تَمتَدُّ إلى كُلِّ زَمان، إلى كُلِّ مَن باعَ آياتِ الحَقِّ بعَرَضٍ زائل، فَصاغَ الحَقَّ بِقالَبِ الدُّنيا، وتَلَمَّسَ له مَخارِجَ تُوافِقُ الهَوى. وكَلِمةٌ كَـ«لا حُكمَ إلّا لله» قد تُقالُ حَقّاً ويُرادُ بها باطِلٌ، فَتَمُرُّ على العامّةِ سَليمةَ الظّاهِرِ، وفي طَيّاتِها ثَمَنٌ قَليلٌ اشتُرِيَت به.

«وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ» من (و ق ي): الانتِقالُ من الرَّهبةِ إلى التَّقوى

وتَقديمُ وَإِيَّايَ﴾ يُفيدُ الحَصرَ كما في الآيةِ قَبلَها، غَيرَ أنَّ الأمرَ هُنا «اتَّقوا» مَكانَ «ارهَبوا»، والفَرقُ بَينَهما انتِقالٌ في المَرتَبة، وليسَ تَرادُفاً لَفظِيّاً. فـ«الرَّهبة» يَقَظَةٌ إجماليّةٌ تُناسِبُ مَرحَلةَ ما قَبلَ إنزالِ الكِتابِ المُفَصَّل، و«التَّقوى» من (و ق ي)، وهي اتِّخاذُ وِقايةٍ بَينَ النَّفسِ والخَطَأ، وهذه الوِقايةُ لا تُبنى إلّا على مَعرِفةٍ تَفصيليّةٍ بالحُدود. والآيةُ الأُولى (40) ذَكَّرَت بالنِّعمةِ إجمالاً فَناسَبَها فَارْهَبُونِ﴾، والآيةُ الثانية (41) نَهَت عن صِفاتٍ مُحَدَّدة: تَغطيةِ المُنَزَّل، وبَيعِ الآيات، والكُفرِ الرِّيادي، فَلَمّا صارَ الخَطَرُ مَعلوماً بتَفاصيلِه ناسَبَه «اتَّقوا»، أي ضَعوا بَينَكم وبَينَ كُلِّ مُخالَفةٍ مُحَدَّدةٍ وِقاية. والأَمرُ المُتَكَرِّرُ في جَسَدِ السورةِ كُلِّها «اتَّقوا»، لأنَّ التَّنزيلَ حَمَلَ المُخاطَبَ من إجمالِ الرَّهبةِ إلى تَفصيلِ التَّقوى.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: فـ«الإيمان» بَذلُ أمانٍ لِما أُنزِل، و«الكُفر» تَغطيةُ ما وُضِعَ في مُتَناوَلِ اليَد، و«الاشتِراء» مُبادَلةٌ تَنعَقِدُ في الذّاتِ قَبلَ أن تَظهَرَ في السوق، و«التَّقوى» وِقايةٌ يَضَعُها العَبدُ على قَدرِ ما عَلِمَ من الحُدود.


حَصيلة

تَبني الآيةُ على ما سَبَقَها، فبَعدَ أن طُلِبَ الاستِحضارُ والوَفاء يَجيءُ طَلَبُ بَذلِ الأَمان. و(أ-م-ن) مَنحُ الثِّقَةِ لِما وَصَلَ وجَعلُه في حَرَزٍ من الذَّات، لا تَصديقٌ ذِهنيّ، وأَوَّلُ ما يُطلَبُ بَذلُ الأَمانِ لَه هُو «ما أَنزَلتُ»، أي ما وُضِعَ في مُتَناوَلِ اليَد، على أصلِ (ن-ز-ل)، دونَ ما أُبقِيَ في البُعد. والتَّنزيلُ الجَديدُ جاءَ «مُصَدِّقاً» لِما مَعَكُم غَيرَ رافِعٍ له، من (ص-د-ق)، وهو جَعلُ الأَصلِ صادِقاً ثابِتاً دونَ نَقضِه. ثُمَّ جاءَ النَّهيُ عَن «أَوَّلَ كافِرٍ» بِالإفرادِ بَعدَ الجَمع، تَنبيهاً عَلى أنَّ الأَوَّليَّةَ في التَّغطيةِ دَورٌ مُؤَسِّسٌ لِسُنَّةٍ تَتبَعُها الأَجيال، إذ (ك-ف-ر) في أَصلِه تَغطيَةٌ لِما هو ظاهِرٌ مَعلوم. ثُمَّ صورَةُ السّوقِ الدّاخِليّ في لَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، و(ش-ر-ي) تَبادُلٌ يَنتَزِعُ فيه المَرءُ قِطعَةً من يَدِه لِيَتَّصِلَ بِعِوَضٍ زائِل. وخُتِمَتِ الآيةُ بِـوَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾، وفيه الانتِقالُ من رَهبَةِ الآيةِ السّابِقَةِ إلى التَّقوى، وهي وِقايَةٌ مَبنِيَّةٌ على تَفصيلِ الحُدود، لأنَّ العَيبَ قد سُمِّيَ الآنَ بِأَسمائِه. والأَمانَةُ المَعرِفيَّةُ تَشتَرِطُ أن يَكونَ ما في الصَّدرِ من ضَوءٍ مَحفوظاً من أن يُباعَ بِثَمَنٍ يَتَلاشى، ولا تَكتَفي بِالفَهم.