النساء · الآية 138

﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا

«بَشِّرِ»: خَبَرٌ يَظهَرُ أثَرُه على البَشَرة

تَبدَأُ الآيةُ بِأمرٍ لِمُخاطَبٍ مُفرَد: «بَشِّرْ»، وتَستَأنِفُ الكَلامَ بِلا عاطِفٍ يَصِلُها بِما قَبلَها. والتَّبشيرُ من ب-ش-ر، والبَشَرةُ ظاهِرُ الجِلد، والبِشارةُ في كلامِ العَرَبِ خَبَرٌ يَتَغَيَّرُ لَه ظاهِرُ الوَجه، و«بَشَّرَ» على فَعَّلَ حَملُ هذا الخَبَرِ إلى مَن يَظهَرُ عَلَيه أثَرُه. والبِشارةُ إذا أُطلِقَت كانَت لِلخَبَرِ السّارّ، وإذا قُيِّدَت بِما بَعدَها كانَت لِما قُيِّدَت بِه، وقد قُيِّدَت هُنا بِالباء: «بِأنَّ لَهُم عَذاباً أليماً».

ولِتَركيبِ «بَشِّرْ … بِأنَّ لَهُم» في الكِتابِ مَوضِعانِ لا ثالِثَ لَهُما: هذه الآية، والآيةُ السّابِعةُ والأربَعونَ من سورةِ الأحزاب: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾، الفِعلُ نَفسُه والباءُ نَفسُها و«أنَّ لَهُم» نَفسُها، وما لَهُم هُناكَ فَضلٌ كَبيرٌ من الله، وما لَهُم هُنا عَذابٌ أليم. فالآيةُ تَحمِلُ إلى المُنافِقينَ خَبَرَهُم في القالَبِ الذي يُحمَلُ فيه الفَضلُ إلى المُؤمِنين، وتَضَعُ العَذابَ في المَوضِعِ الذي وَقَعَ فيه الفَضل. ويَصدُقُ على الخَبَرَينِ مَعنى الجِذرِ نَفسُه: خَبَرٌ يَظهَرُ أثَرُه على وَجهِ مَن يَسمَعُه.

«الْمُنَافِقِينَ»: قَومٌ لَهُم مَدخَلٌ ومَخرَج

والمُنافِقونَ من ن-ف-ق، والنَّفَقُ سَرَبٌ في الأرضِ يُفضي إلى مَخرَجٍ غَيرِ مَدخَلِه، والمُنافِقُ مَن جَعَلَ لِنَفسِه في الأمرِ مَدخَلاً يَدخُلُ مِنه ومَخرَجاً يَخرُجُ مِنه. و«المُنافِقين» جَمعُ اسمِ الفاعِلِ من «نافَقَ»، فالآيةُ تُسَمّيهِم بِصِفةٍ ثَبَتَت فيهِم حتّى صارَت اسماً لَهُم. وهذه الآيةُ ثالِثُ مَوضِعٍ في السّورةِ يُسَمّيهِم بِهذا الاسم، بَعدَ الآيةِ الحادِيةِ والسِّتّينَ والثّامِنةِ والثَّمانين، ثُمَّ يَعودُ الاسمُ في الآيةِ الأربَعينَ بَعدَ المِئةِ والثّانيةِ والأربَعينَ بَعدَ المِئةِ والخامِسةِ والأربَعينَ بَعدَ المِئة، فالآيةُ تَفتَحُ مَقطَعاً يَتَرَدَّدُ فيه ذِكرُهُم.

وتَأتي الآيةُ بَعدَ آيةٍ وَصَفَت قَوماً بِطَريقٍ يَتَرَدَّدُ بَينَ الثِّقةِ والكُفرِ ثُمَّ يَنتَهي إلى الزِّيادة، فتُسَمّي جَماعةً بِاسمِها وتَستَأنِفُ بِلا عاطِف، وما بَينَ المَوصوفينَ هُناكَ والمُسَمَّيْنَ هُنا مَتروكٌ في اللَّفظِ مَفتوحاً: يُجاوِرُ السِّياقُ بَينَهُما، ولا حَرفَ يَعطِفُ أحَدَهُما على الآخَر.

«بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا»: عَذابٌ يُنسَبُ إلَيهِم كما يُنسَبُ الفَضل

والباءُ في «بِأنَّ» تَصِلُ الخَبَرَ بِمَضمونِه، و«أنَّ» مَعَ ما بَعدَها في تَأويلِ مَصدَر، فالخَبَرُ هو كَونُ العَذابِ لَهُم. و«لَهُم» خَبَرُ «أنَّ» جاءَ قَبلَ اسمِها «عَذاباً»، واللّامُ فيه لِلاستِحقاقِ والاختِصاص، فالعَذابُ يُذكَرُ شَيئاً يُنسَبُ إلَيهِم ويَخُصُّهُم، كما نُسِبَ الفَضلُ في آيةِ الأحزابِ إلى المُؤمِنين. والعَذابُ من ع-ذ-ب، إمساكٌ يَنفُذُ مِنه الألَمُ حادّاً ويَبقى على مَن أُمسِك، و«أليماً» من أ-ل-م، وَقعٌ يُصيبُ الحِسَّ حادّاً فيَعلَقُ بِه، و«أليم» على فَعيلٍ بِمَعنى المُؤلِم، فالوَصفُ يُسَمّي العَذابَ بِأثَرِه فيمَن يَقَعُ عَلَيه.

والوَصفُ «عَذاباً أليماً» يَتَكَرَّرُ في هذه السّورةِ في أربَعِ آيات: الثّامِنةَ عَشرةَ، وهذه، والحادِيةِ والسِّتّينَ بَعدَ المِئة، والثّالِثةِ والسَّبعينَ بَعدَ المِئة. والآيةُ كُلُّها جُملةُ أمرٍ واحِدة، يُجعَلُ فيها المُخاطَبُ حامِلَ خَبَر، والخَبَرُ نَفسُه وَعدٌ بِما هو لَهُم، وتَكتَفي من المُنافِقينَ بِاسمِهِم، ثُمَّ تَأتي الآيةُ التي تَليها بِصَنيعِهِم.


حَصيلة

تَأمُرُ الآيةُ مُخاطَباً مُفرَداً بِأن يَحمِلَ إلى المُنافِقينَ خَبَراً، والتَّبشيرُ من ب-ش-ر خَبَرٌ يَظهَرُ أثَرُه على البَشَرة، وقد قُيِّدَ هُنا بِما يُؤلِم، في تَركيبٍ لَيسَ لَه في الكِتابِ غَيرُ مَوضِعٍ آخَرَ واحِد، يَحمِلُ إلى المُؤمِنينَ فَضلاً كَبيراً. والمُنافِقونَ من ن-ف-ق أهلُ مَدخَلٍ ومَخرَج، تُسَمّيهِمُ السّورةُ هُنا لِلمَرّةِ الثّالِثة، وتَستَأنِفُ ذِكرَهُم بَعدَ آيةِ التَّرَدُّدِ بِلا عاطِف. وما لَهُم عَذابٌ من ع-ذ-ب، إمساكٌ يَنفُذُ مِنه الألَم، أليمٌ من أ-ل-م يَعلَقُ بِالحِسّ، يُنسَبُ إلَيهِم بِاللّامِ كما يُنسَبُ الفَضلُ إلى أهلِه.