النساء · الآية 137

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا

«إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا»: ذَهابٌ وإيابٌ مَرَّتَين

تَبدَأُ الآيةُ بِـ«إنّ» ومَوصولٍ تَتبَعُه صِلةٌ من خَمسةِ أفعالٍ يَصِلُ بَينَها «ثُمَّ» أربَعَ مَرّات. وأوَّلُ ما يُسمَعُ بَعدَ «إنّ» «الذينَ آمَنوا»، وهُما اللَّفظانِ اللَّذانِ نودِيَ بِهِما في الآيةِ قَبلَها، ثُمَّ يَفتَرِقُ الطَّريقُ عِندَ «ثُمَّ كَفَروا». و«ثُمَّ» تُرَتِّبُ ما بَعدَها على ما قَبلَها مَعَ مُهلةٍ بَينَهُما، فكُلُّ حالٍ تَأخُذُ مُدَّتَها ثُمَّ تَخلُفُها التي بَعدَها، والآيةُ تَرسُمُ بِذلك طَريقاً ذا مَراحِل، تَمتَدُّ كُلُّ مَرحَلةٍ فيه زَمَناً قَبلَ أن تَنقَلِب.

وتَتَناوَبُ الأفعالُ الأربَعةُ الأُولى: ثِقةٌ ثُمَّ كُفرٌ ثُمَّ ثِقةٌ ثُمَّ كُفر. والثِّقةُ من أ-م-ن سُكونٌ يَستَقِرُّ في الدّاخِلِ ويَفيضُ أماناً، والكُفرُ من ك-ف-ر غِطاءٌ يُسدَلُ على ما كانَ يَظهَر، فكُلُّ مَرحَلةٍ تَنقُضُ التي قَبلَها: يَنكَشِفُ ما كانَ مَستوراً ثُمَّ يُغَطّى. وجاءَ الفِعلانِ هُنا لازِمَينِ بِلا مُتَعَلَّق، بَعدَ أن عُدِّيا في الآيةِ السّابِقةِ بِالباءِ إلى قائمةٍ مُسَمّاة: «آمِنوا بِاللهِ...» و«مَن يَكفُرْ بِاللهِ...»، فالآيةُ هُنا تَصِفُ الحَرَكةَ نَفسَها، ذَهاباً وإياباً، وتَجعَلُها صِفةً يُعرَفُ بِها أصحابُها.

«ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا»: الخامِسةُ تَكسِرُ التَّناوُب

ثُمَّ يَنكَسِرُ التَّناوُبُ في الفِعلِ الخامِس، فحَيثُ يَنتَظِرُ الإيقاعُ ثِقةً ثالِثةً يَأتي «ثُمَّ ازدادوا كُفراً». والزِّيادةُ من ز-ي-د، شَيءٌ يُضَمُّ إلى حَيِّزٍ فيَكتَنِزُ فيه فَوقَ ما كانَ ويَستَقِرّ، و«ازدادوا» على افتَعَل، أصلُه «ازتادوا»، قُلِبَتِ التّاءُ دالاً بَعدَ الزّاي، والافتِعالُ يَجعَلُ الزِّيادةَ شَيئاً يَأخُذُه أصحابُه ويَستَقِرُّ فيهِم. و«كُفراً» مَنصوبٌ يُبَيِّنُ ما وَقَعَت فيه الزِّيادة، والكِتابُ يَستَعمِلُ الفِعلَ نَفسَه لِزِيادةٍ في الثِّقة: لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾، فالفِعلُ يُسَمّي تَراكُماً، ويُعَيِّنُ ما بَعدَه ما يَتَراكَم.

ولِـ«ثُمَّ ازدادوا كُفراً» في الكِتابِ مَوضِعان: هذا، والآيةُ التِّسعونَ من سورةِ آلِ عِمران: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾، وفي تِلكَ كُفرٌ واحِدٌ بَعدَ إيمانٍ ثُمَّ زِيادة، وفي هذه دَورَتانِ من الثِّقةِ والكُفرِ قَبلَ الزِّيادة. والآيةُ تَقِفُ بِالوَصفِ عِندَ الزِّيادةِ وتَعقِدُ الحُكمَ بِمَن انتَهى إلَيها، وما وَراءَ ذلك مَتروكٌ في لَفظِها مَفتوحاً. ويَتَكَرَّرُ الجِذرُ ك-ف-ر في الآيةِ ثَلاثاً: «كَفَروا» و«كَفَروا» و«كُفراً»، فالغِطاءُ الذي أُسدِلَ مَرَّتَينِ فِعلاً يَنقَضي صارَ في الثّالِثةِ مِقداراً يَزيد، طَبَقةً فَوقَ طَبَقة.

«لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ»: نَفيٌ يَبلُغُ أصلَ الفِعل

وخَبَرُ «إنّ» قَولُه «لَم يَكُنِ اللهُ لِيَغفِرَ لَهُم»، وهو تَركيبٌ يَنفي «كانَ» ويُدخِلُ بَعدَها لاماً على المُضارِع، وتُسَمّى هذه اللّامُ لامَ الجُحود، والنَّفيُ بِها أبعَدُ غَوراً من «لا يَغفِرُ لَهُم»، إذ يَنفي أن يَكونَ الغَفرُ لَهُم في شَأنِه أصلاً. والغَفرُ من غ-ف-ر، سِترٌ كَثيفٌ يُلقى على الشَّيءِ فيَصونُه، يُقالُ «غَفَرَ المَتاعَ في وِعائه» إذا أدخَلَه فيه وحَفِظَه. ويَلتَقي الجِذرانِ ك-ف-ر وغ-ف-ر في حَرفَيهِما الأخيرَين ويَفتَرِقانِ في الأوَّل، فالآيةُ تَضَعُ غِطاءً ألقَوه هُم على ما كانَ يَظهَر، في مُقابِلِ سِترٍ يَقيهِم لم يَكُنِ اللهُ لِيُلقِيَه عَلَيهِم.

ثُمَّ يُعطَفُ نَفيٌ ثانٍ بِـ«لا» ولامٍ ثانِية: «ولا لِيَهدِيَهُم سَبيلاً»، فيَقومُ كُلُّ نَفيٍ بِنَفسِه. والهِدايةُ من ه-د-ي، تَقَدُّمٌ أمامَ السّائرِ يَفتَحُ لَه الطَّريقَ ويُمضيه فيه، و«سَبيلاً» من س-ب-ل نَكِرةٌ تَعُمُّ كُلَّ مَجرىً مَفتوحٍ يُسلَك. وبِهذا تَلتَقي الآيةُ بِخِتامِ الآيةِ قَبلَها: هُناكَ «فقد ضَلَّ ضَلالاً بَعيداً» لِمَن يَكفُرُ بِما سَمَّتْه القائمة، وهُنا نَفيٌ لِلهِدايةِ إلى سَبيلٍ عن الذينَ تَرَدَّدوا ثُمَّ ازدادوا. ويَتَكَرَّرُ الخَبَرُ بِلَفظِه، إلّا كَلِمَتَه الأخيرة، في الآيةِ الثّامِنةِ والسِّتّينَ بَعدَ المِئة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾، ولا يَرِدُ «لَم يَكُنِ اللهُ لِيَغفِرَ لَهُم ولا لِيَهدِيَهُم» في غَيرِ هاتَينِ الآيَتَين.


حَصيلة

تَرسُمُ الآيةُ طَريقاً من خَمسِ مَراحِلَ يَصِلُ بَينَها «ثُمَّ»: ثِقةٌ من أ-م-ن ثُمَّ كُفرٌ من ك-ف-ر، مَرَّتَين، ثُمَّ زِيادةٌ في الكُفرِ من ز-ي-د على افتَعَل، يَأخُذُها أصحابُها فتَستَقِرُّ فيهِم، فيَنكَسِرُ التَّناوُبُ عِندَ الخامِسةِ ويَصيرُ تَراكُماً. ويَقَعُ الخَبَرُ على الذينَ انتَهَوا إلى هذه الزِّيادة: لَم يَكُنِ اللهُ لِيَغفِرَ لَهُم، والغَفرُ من غ-ف-ر سِترٌ واقٍ يُقابِلُ في حُروفِه غِطاءَ الكُفر، ولا لِيَهدِيَهُم سَبيلاً، والهِدايةُ من ه-د-ي تَقَدُّمٌ أمامَ السّائرِ في مَجرىً مَفتوحٍ من س-ب-ل. فتَصِلُ الآيةُ ما خُتِمَت بِه الآيةُ قَبلَها من ضَلالٍ بَعيدٍ بِنَفيِ السَّبيل، ويَعودُ خَبَرُها بِلَفظِه إلّا كَلِمةً واحِدةً في الآيةِ الثّامِنةِ والسِّتّينَ بَعدَ المِئة.