النساء · الآية 139

﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۚ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۚ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا

«الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ»: قُربٌ يُتَّخَذ

تَبدَأُ الآيةُ بِالمَوصولِ «الذينَ»، ولِتَعَلُّقِه بِما قَبلَه وَجهان: أن يَكونَ وَصفاً لِـ«المُنافِقينَ» في الآيةِ السّابِقة، في مَوضِعِ نَصبٍ مِثلَها، فتُتِمُّ الآيةُ تَسمِيَتَهُم بِذِكرِ صَنيعِهِم؛ أو أن يَكونَ كَلاماً مُستَأنَفاً في ذَمِّهِم، على تَقديرِ «أعني الذينَ» أو «هُمُ الذينَ». وعلى الوَجهَينِ يَقَعُ الوَصفُ على المُسَمَّيْنَ قَبلَه. و«يَتَّخِذونَ» من أ-خ-ذ على افتَعَل، والاتِّخاذُ أخذُ الشَّيءِ لِلنَّفسِ وجَعلُه شَيئاً آخَر، ولِذلك يَنصِبُ مَفعولَين: «الكافِرينَ» و«أولياءَ»، والمُضارِعُ يَجعَلُه صَنيعاً قائماً يَتَجَدَّد.

و«أولياءَ» جَمعُ وَليّ، من و-ل-ي، والوَليُّ مَن يَلي غَيرَه بِلا فاصِلٍ فيَقرُبُ مِنه ويَقومُ بِأمرِه، فالمُتَّخِذونَ يَجعَلونَ الكافِرينَ مَن يَليهِم ويَلونَهُم. و«مِن دونِ المُؤمِنين» من د-و-ن، والدّونُ ما يَقَعُ أدنى من الشَّيءِ ويَقصُرُ عَنه، فالاتِّخاذُ يَقَعُ في مَوضِعٍ يُتَجاوَزُ فيه المُؤمِنونَ إلى غَيرِهِم. ويَرِدُ «الكافِرينَ أولياءَ من دونِ المُؤمِنين» بِلَفظِه في ثَلاثِ آياتٍ من الكِتاب: نَهياً لِلمُؤمِنينَ في الآيةِ الثّامِنةِ والعِشرينَ من سورةِ آلِ عِمران، ووَصفاً لِلمُنافِقينَ هُنا، ثُمَّ نَهياً لِلذينَ آمَنوا في الآيةِ الرّابِعةِ والأربَعينَ بَعدَ المِئةِ من هذه السّورة: لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾، فالصَّنيعُ الذي يُوصَفُ بِه المُنافِقونَ هُنا يَصيرُ في تِلكَ الآيةِ نَهياً لِلمُخاطَبين.

«أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ»: طَلَبٌ يُسأَلُ عن مَوضِعِه

ثُمَّ يَأتي السُّؤالُ بِالهَمزة: «أيَبتَغونَ عِندَهُمُ العِزّة»، وهو سُؤالٌ يُنكِرُ ما يَسأَلُ عَنه، ويُسَمّي في الوَقتِ نَفسِه ما يُطلَبُ بِذلك الاتِّخاذ. والابتِغاءُ من ب-غ-ي على افتَعَل، طَلَبٌ يَتَعَلَّقُ بِشَيءٍ لم يُنَلْ بَعدُ ويَجتَهِدُ صاحِبُه في الوُصولِ إلَيه. و«عِندَهُم» ظَرفٌ لِلحُضورِ والحِيازة، يَجعَلُ العِزّةَ في السُّؤالِ شَيئاً مَحفوظاً في حَوزةِ الكافِرين، يُقصَدونَ لِيُنالَ من قُربِهِم.

والعِزّةُ من ع-ز-ز، والجِذرُ صَلابةٌ مُلتَحِمةٌ لا يُنفَذُ فيها، يُقالُ «أرضٌ عَزاز» لِلصُّلبةِ التي لا تَغوصُ فيها القَدَم، و«عَزَّ الشَّيءُ» إذا صَعُبَ مَنالُه، و«عَزَّه» إذا غَلَبَه، ومنه في الكِتابِ وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾، أي غَلَبَني في المُخاطَبة. فالعِزّةُ حالُ مَن لا يُغلَبُ ولا يُنالُ جانِبُه، وهي في السُّؤالِ مَطلوبٌ يُقصَدُ عِندَ قَوم، والجَوابُ الذي يَليه يَرُدُّه إلى مَن هو لَه.

«فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا»: من «عِندَهُم» إلى «لِله»

ثُمَّ يَأتي الجَوابُ بِالفاء: «فإنَّ العِزّةَ لِلهِ جَميعاً»، والفاءُ تُعَلِّلُ الإنكارَ وتُبَيِّنُ وَجهَه، و«إنَّ» تُؤَكِّدُه. وقد قالَ السُّؤالُ «عِندَهُم»، وقالَ الجَوابُ «لِله»، فانتَقَلَتِ العِزّةُ من ظَرفِ الحُضورِ إلى لامِ الاستِحقاق: ما يُطلَبُ عِندَ قَومٍ هو في الجَوابِ حَقٌّ لِغَيرِهِم. و«جَميعاً» حالٌ تَستَوعِبُ العِزّةَ كُلَّها، فالذي يُطلَبُ عِندَ الكافِرينَ داخِلٌ بِتَمامِه فيما هو لِله.

والجُملةُ بِلَفظِها، دونَ الفاء، في الآيةِ الخامِسةِ والسِّتّينَ من سورةِ يونُس: إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾، وفي الآيةِ العاشِرةِ من سورةِ فاطِرٍ يَقتَرِنُ طَلَبُ العِزّةِ بِجَوابِه كما يَقتَرِنُ هُنا: مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾. وحينَ يَعودُ الكِتابُ إلى المُنافِقينَ والعِزّةِ في الآيةِ الثّامِنةِ من سورةِ المُنافِقونَ يَضُمُّ إلى اسمِ اللهِ رَسولَه والمُؤمِنين: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾، فالجانِبُ الذي تُرِكَ في هذه الآيةِ «مِن دونِ المُؤمِنين» مُسَمّىً هُناكَ فيمَن لَهُمُ العِزّة.


حَصيلة

تَصِفُ الآيةُ المُنافِقينَ الذينَ سُمّوا قَبلَها بِصَنيعٍ قائم: يَتَّخِذونَ، من أ-خ-ذ على افتَعَل، الكافِرينَ أولياءَ، من و-ل-ي، يَلونَهُم ويَقرُبونَ مِنهُم، مِن دونِ المُؤمِنين، من د-و-ن، فيَتَجاوَزونَ المُؤمِنينَ إلى غَيرِهِم، وهو صَنيعٌ تَنهى عَنه السّورةُ بِلَفظِه في الآيةِ الرّابِعةِ والأربَعينَ بَعدَ المِئة. ثُمَّ تَسأَلُ سُؤالَ إنكارٍ يُسَمّي ما يُطلَبُ بِهذا القُرب: العِزّة، من ع-ز-ز، صَلابةٌ لا يُنفَذُ فيها وحالُ مَن لا يُغلَب، يَبتَغونَها، من ب-غ-ي، عِندَهُم. ويَنقُلُ الجَوابُ العِزّةَ من «عِندَهُم» إلى «لِله»، و«جَميعاً» تَستَوعِبُها، فما يُطلَبُ في قُربِ الكافِرينَ داخِلٌ كُلُّه فيما هو لِله، والمُؤمِنونَ الذينَ تُرِكوا هُنا يُسَمَّونَ في مَوضِعٍ آخَرَ من الكِتابِ فيمَن لَهُمُ العِزّة.