النساء · الآية 168

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا

«إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا»: سَترٌ يُغلِقُ وحِجابٌ يُزيح

تَفتَتِحُ الآيةُ بِما افتُتِحَت بِه التي قَبلَها: «إنَّ الذينَ كَفَروا» ثُمَّ فِعلٌ ثانٍ مَعطوفٌ بِالواو، وتُبَدِّلُ الفِعلَ الثّاني: هُناكَ «وصَدّوا عن سَبيلِ الله»، وهُنا «وظَلَموا». فكُلٌّ من الآيَتَينِ تَرسُمُ الذينَ تَتَحَدَّثُ عَنهُم بِفِعلَين، أوَّلُهُما واحِدٌ فيهِما، وثانيهِما يُعَيِّنُ الجِهةَ التي تُنظَرُ مِنها أفعالُهُم: هُناكَ جِهةُ الطَّريقِ الذي صُدَّ عَنه، وهُنا جِهةُ الشَّيءِ الذي نُقِلَ عن مَوضِعِه.

والظُّلمُ من ظ-ل-م، حِجابٌ يُطبِقُ على الشَّيءِ ويَلزَمُه حتّى يُضَمَّ إلى غَيرِ مَوضِعِه، ومنه «الظُّلمة» التي تَحجُبُ المَعالِمَ فلا يُهتَدى فيها. وجاءَ «ظَلَموا» بِلا مَفعول، فيَحتَمِلُ اللَّفظُ أن يَكونوا ظَلَموا أنفُسَهُم، وأن يَكونوا ظَلَموا غَيرَهُم، والفِعلُ باقٍ على إطلاقِه يَسَعُ الوَجهَين. والكُفرُ سَترٌ يُغلِقُ مَنفَذَ الظُّهور، والظُّلمُ حِجابٌ يُطبِقُ فيَنقُلُ الشَّيءَ عن مَوضِعِه، فالفِعلانِ يَلتَقِيانِ في الحَجبِ ويَفتَرِقانِ في أثَرِه: الأوَّلُ يَستُرُ ما كانَ يَظهَر، والثّاني يُزيحُ ما يَحجُبُه عن مَكانِه.

«لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ»: نَفيٌ يَدخُلُ على «كانَ» قَبلَ الفِعل

وخَبَرُ «إنّ» «لَم يَكُنِ اللهُ لِيَغفِرَ لَهُم»، وهو الخَبَرُ الذي جاءَ في الآيةِ السّابِعةِ والثَّلاثينَ بَعدَ المِئةِ عن الذينَ تَرَدَّدوا بَينَ الثِّقةِ والكُفرِ ثُمَّ ازدادوا كُفراً، يَعودُ هُنا بِلَفظِه عن الذينَ كَفَروا وظَلَموا. واللّامُ فيه تَدخُلُ على المُضارِعِ بَعدَ «كانَ» المَنفيّة، وتُسَمّى لامَ الجُحود، والتَّركيبُ يَحتَمِلُ وَجهَين: أن يَكونَ خَبَرُ «كانَ» مَطوِيّاً تَتَعَلَّقُ بِه اللّام، والتَّقديرُ «لَم يَكُنِ اللهُ مُريداً لِأن يَغفِرَ لَهُم»، والفِعلُ مَنصوبٌ بِـ«أنْ» مُضمَرةٍ بَعدَ اللّام؛ وأن تَكونَ اللّامُ مَزيدةً تُؤَكِّدُ النَّفيَ، والفِعلُ بَعدَها هو خَبَرُ «كانَ». فعلى الوَجهِ الأوَّلِ يَقَعُ النَّفيُ على إرادةٍ يَصدُرُ عَنها الغَفر، وعلى الثّاني يَقَعُ على الغَفرِ نَفسِه مُؤَكَّداً.

والغَفرُ من غ-ف-ر، سِترٌ كَثيفٌ يُلقى على الشَّيءِ فيَلزَمُه ويَصونُه، ومنه «المِغفَر» يُلبَسُ على الرَّأسِ فيَقيه. و«لَهُم» تَجعَلُ هذا الغِطاءَ في مَصلَحَتِهِم، فالمَنفيُّ سِترٌ يَقيهِم، يُذكَرُ بَعدَ فِعلَينِ من الحَجبِ فَعَلوهُما هُم: سَترٍ أغلَقوا بِه مَنفَذَ الظُّهور، وحِجابٍ أزاحوا بِه الشَّيءَ عن مَوضِعِه.

«وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا»: طَريقٌ نَكِرةٌ يَعودُ في ما بَعدَه

ثُمَّ يُعطَفُ النَّفيُ الثّاني بِـ«لا» وتُعادُ مَعَه اللّام: «ولا لِيَهدِيَهُم طَريقاً»، فيَنصَبُّ النَّفيُ على الغَفرِ وعلى الهِدايةِ، لِكُلٍّ مِنهُما لامُه. والهِدايةُ من ه-د-ي، مَسيرٌ يَتَقَدَّمُ فيه الهادي على مَن يَهديه فيُمضيه في المَسلَك، والفِعلُ هُنا يَتَعَدّى إلى مَفعولَين، ضَميرِهِم و«طَريقاً»، فالهِدايةُ إمضاءٌ لَهُم في طَريقٍ يُسلَك.

و«طَريقاً» من ط-ر-ق، وَقعٌ ثَقيلٌ يَنبَسِطُ على مَحَلِّه ثُمَّ يُقطَعُ فيُخَلِّفُ أثَراً، ومنه «طَرَقَ الحَديدَ» ضَرَبَه حتّى انبَسَط، و«الطَّريقُ» ما وُطِئَ بِالأقدامِ حتّى استَوى فبان. وقد جاءَ في هذا المَوضِعِ من الآيةِ السّابِعةِ والثَّلاثينَ بَعدَ المِئةِ «سَبيلاً»، وجاءَ هُنا «طَريقاً»، وكِلاهُما نَكِرةٌ في سِياقِ نَفيٍ تَعُمُّ كُلَّ مَسلَك، غَيرَ أنَّ «طَريقاً» تَصِلُ الآيةَ بِما يَتلوها: إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾، فالكَلِمةُ التي نُفِيَت هُنا عامّةً تَعودُ هُناكَ مُضافةً مُستَثناة. ولا يَرِدُ «طَريق» في السّورةِ إلّا في هاتَينِ الآيَتَين، ويَرِدُ في الكِتابِ مَعَ الهِدايةِ إلى الاستِقامة: يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾.


حَصيلة

تَفتَتِحُ الآيةُ بِما افتُتِحَت بِه التي قَبلَها وتُبَدِّلُ الفِعلَ الثّاني، فالذينَ تَتَحَدَّثُ عَنهُم كَفَروا، والكُفرُ من ك-ف-ر سَترٌ يُغلِقُ المَنفَذ، وظَلَموا، والظُّلمُ من ظ-ل-م حِجابٌ يُطبِقُ فيُزيحُ الشَّيءَ عن مَوضِعِه، ويَبقى مَفعولُه مُطلَقاً: أنفُسُهُم أو غَيرُهُم. ويَعودُ فيها خَبَرُ الآيةِ السّابِعةِ والثَّلاثينَ بَعدَ المِئة، «لَم يَكُنِ اللهُ لِيَغفِرَ لَهُم»، بِلامِ الجُحود، والتَّركيبُ يَحتَمِلُ نَفيَ الإرادةِ التي يَصدُرُ عَنها الغَفرُ ونَفيَ الغَفرِ نَفسِه مُؤَكَّداً، والغَفرُ من غ-ف-ر غِطاءٌ يَقي. ثُمَّ يُنفى أن يَهدِيَهُم، والهِدايةُ من ه-د-ي تَقَدُّمٌ أمامَ السّائر، «طَريقاً»، والطَّريقُ من ط-ر-ق مَسلَكٌ صَنَعَه الوَطءُ فبان، وقد جاءَ في مَوضِعِ «سَبيلاً» من الآيةِ الأُخرى، ويَعودُ مُستَثنىً في الآيةِ التّالِية: «إلّا طَريقَ جَهَنَّم».