النساء · الآية 169

﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا

«إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ»: طَريقٌ واحِدٌ يُستَثنى من كُلِّ طَريق

تَبدَأُ الآيةُ بِاستِثناءٍ يَتَّصِلُ بِآخِرِ الآيةِ قَبلَها: «ولا لِيَهدِيَهُم طَريقاً إلّا طَريقَ جَهَنَّم»، فالمُستَثنى مِنه «طَريقاً»، نَكِرةٌ في سِياقِ نَفيٍ تَعُمُّ كُلَّ طَريق، والمُستَثنى طَريقٌ واحِدٌ عُرِّفَ بِالإضافة. و«طَريقَ» مَنصوبٌ على الاستِثناء، ويَصِحُّ فيه أن يَكونَ بَدَلاً من «طَريقاً»، والنَّصبُ واحِدٌ على الوَجهَين لِأنَّ المُستَثنى مِنه مَنصوبٌ هو أيضاً.

ويَحتَمِلُ الاستِثناءُ أن يَكونَ مُتَّصِلاً وأن يَكونَ مُنقَطِعاً. فهو مُتَّصِلٌ إذا كانَ طَريقُ جَهَنَّمَ من جِنسِ الطُّرُقِ المَنفيّة، والهِدايةُ إلَيه إمضاءٌ فيه كالإمضاءِ في أيِّ طَريق، والكِتابُ يَستَعمِلُ الفِعلَ نَفسَه في السَّوقِ إلى النّار: فَاهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾. وهو مُنقَطِعٌ إذا حُمِلَتِ الهِدايةُ على الإمضاءِ في ما يَنفَعُ صاحِبَه، فيَكونُ المَعنى: لا يَهديهِم طَريقاً، لكِنْ طَريقُ جَهَنَّمَ يُمضَونَ فيه. وقِراءةُ الجِذرِ ه-د-ي تَقَدُّماً أمامَ السّائرِ في مَسلَكِه تَسَعُ الوَجهَ الأوَّل، فالجِذرُ يَصِفُ التَّقَدُّمَ في المَسلَكِ أيّاً كانَت غايَتُه، ويَبقى اللَّفظُ مُحتَمِلاً لِلوَجهَين.

و«جَهَنَّمُ» اسمٌ لِلنّار، تَكَرَّرَ في السّورةِ قَبلَ هذه الآيةِ سِتَّ مَرّات، وهو هُنا مُضافٌ إلَيه يُعَيِّنُ الطَّريقَ بِغايَتِه، فالإضافةُ تُسَمّي المَسلَكَ بِما يَنتَهي إلَيه. والطَّريقُ من ط-ر-ق، أثَرٌ صَنَعَه الوَطءُ حتّى بان، فالمُستَثنى مَسلَكٌ مَوطوءٌ يُعرَفُ بِآخِرِه.

«خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا»: لُزومٌ يَمتَدُّ في الزَّمَن

ثُمَّ يَأتي «خالِدينَ فيها» مَنصوباً على الحالِ من ضَميرِهِم في «يَهدِيَهُم»، وهي حالٌ مُقَدَّرة، إذ الخُلودُ يَكونُ بَعدَ بُلوغِ آخِرِ الطَّريق، فالحالُ تَصِفُ ما يَصيرونَ إلَيه عِندَ مُنتَهى المَسلَك. والخُلودُ من خ-ل-د، لُزومُ مَوضِعٍ بُلِغَ والتِصاقٌ بِه يَثبُتُ فيه صاحِبُه، و«فيها» تَعودُ على جَهَنَّم، وجاءَ الوَصفُ جَمعاً يُطابِقُ «الذينَ كَفَروا وظَلَموا».

و«أبَداً» من أ-ب-د، ظَرفٌ لِزَمَنٍ مَمدودٍ لا يُعرَفُ لَه آخِر، يَمُدُّ الخُلودَ في الزَّمَن. وقد ذُكِرَ الخُلودُ في النّارِ في هذه السّورةِ ثَلاثَ مَرّات: يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ في الآيةِ الرّابِعةَ عَشْرة، وفَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ في الثّالِثةِ والتِّسعين، وهُنا. والوَصفُ في المَوضِعَينِ الأوَّلَينِ مُفرَدٌ على لَفظِ «مَن» التي بُنِيَ عَلَيها الشَّرط، ولَيسَ مَعَه «أبَداً»، وهو هُنا جَمعٌ ومَعَه «أبَداً». وجاءَت «خالِدينَ فيها أبَداً» في السّورةِ قَبلَ هذه مَرَّتَينِ لِأهلِ الجَنّات، في الآيةِ السّابِعةِ والخَمسينَ والثّانيةِ والعِشرينَ بَعدَ المِئة، فالعِبارةُ التي وُصِفَ بِها المُقامُ في الجَنّاتِ هي التي يوصَفُ بِها هُنا المُقامُ في جَهَنَّم، بِحُروفِها.

«وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا»: يُسرٌ في جانِبِ الله

وتُختَمُ الآيةُ بِـ«وكانَ ذلك على اللهِ يَسيراً». و«ذلك» إشارةٌ إلى ما تَقَدَّم، ويَحتَمِلُ أن تَجمَعَ ما في الآيَتَينِ كُلَّه، نَفيَ الغَفرِ والهِدايةِ والإمضاءَ في طَريقِ جَهَنَّمَ والخُلودَ فيها، وأن تَقِفَ على آخِرِه، وهو الإمضاءُ في ذلك الطَّريقِ والخُلودُ في غايَتِه. واليُسرُ من ي-س-ر، جَرَيانٌ لَيِّنٌ مُستَرسِلٌ لا يَعتَرِضُه شَيء، و«على الله» تَضَعُ هذا اليُسرَ في جانِبِه، فالأمرُ يَجري فيه جَرَياناً بِلا عائق، و«كانَ» تُثبِتُ الوَصفَ ثابِتاً غَيرَ مَقصورٍ على زَمَنٍ مَضى.

وقد خُتِمَت بِهذه الجُملةِ الآيةُ الثَّلاثون: فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾، ولا تَرِدُ في السّورةِ في غَيرِ المَوضِعَين، وفي تِلكَ الآيةِ عُدْوَانًا وَظُلْمًا﴾، وقَبلَ هذه «كَفَروا وظَلَموا»، فالجُملةُ في المَوضِعَينِ تَأتي بَعدَ ظُلمٍ مُسَمّىً ونارٍ يُتَوَعَّدُ بِها.


حَصيلة

تَصِلُ الآيةُ آخِرَ التي قَبلَها بِاستِثناء: لا طَريقَ يُهدَونَه إلّا طَريقُ جَهَنَّم، والاستِثناءُ يَحتَمِلُ الاتِّصالَ إذا كانَ طَريقُ جَهَنَّمَ من جِنسِ الطُّرُق، والانقِطاعَ إذا حُمِلَتِ الهِدايةُ على ما يَنفَع، والجِذرُ ه-د-ي تَقَدُّماً في المَسلَكِ يَسَعُ الأوَّل. والطَّريقُ من ط-ر-ق أثَرٌ صَنَعَه الوَطء، يُعرَفُ هُنا بِغايَتِه المُضافةِ إلَيه، ثُمَّ يُوصَفُ السّالِكونَ بِحالٍ مُقَدَّرةٍ يَصيرونَ إلَيها عِندَ آخِرِه: «خالِدينَ فيها»، والخُلودُ من خ-ل-د لُزومُ مَوضِعٍ يُبلَغ، و«أبَداً» من أ-ب-د زَمَنٌ مَمدودٌ بِلا آخِر، وهي العِبارةُ التي وُصِفَ بِها المُقامُ في الجَنّاتِ مَرَّتَينِ في السّورة. وتُختَمُ الآيةُ بِيُسرٍ من ي-س-ر يَجري بِلا عائقٍ في جانِبِ الله، على الجُملةِ التي خُتِمَت بِها الآيةُ الثَّلاثونَ بَعدَ ظُلمٍ مُسَمّىً ونار.